السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أهلاً وسهلاً بكم في تطبيق المجيب
ابنتي الكريمة، للجواب عن سؤالكم، هل كان آدم أول البشر؟
يمكن طرح جواب بصورة مختصرة من خلال نظرة في روايات أهل البيت (عليهم السلام) وموقف علماء المسلمين.
أنبأنا أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بما لا يعرفه سائر أهل الإسلام، بل سائر البشرية سواء من أتباع الأديان السماوية أو الفلاسفة وغيرهم بالقول بأن آدم ليس أول البشر، وجاءت الروايات في المصادر المعتبرة التي يعود جلّها إلى القرن الرابع الهجري، وهو كما نعلم عصر المحدثين الكبار الذين دونوا الحديث وحفظوه لنا.
ومن هذه المصادر تفسير العياشي، والمحدث الأقدم الشيخ محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المتوفي سنة ٣٨١ هـ، والشيخ المفيد محمد بن النعمان المتوفي سنة ٤١٣ هـ، وغيرهم ممن سنتعرض لهم في طيات الجواب بإذن الله تعالى.
- قول علماء أهل السنة:
وقد تبيّن لعلماء أهل السنة أن هذه الروايات مختصة بمدرسة أهل البيت، ولم ترد في موروثهم الحديثي، فقد:
١- جاء في التفسير الكبير للفخر الرازي المتوفي سنة ٦٠٦ هـ:
(المسألة الثانية: ثبت بالدلائل القاطعة أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أول لها، وإذا ثبت هذا ظهر وجوب انتهاء الحوادث إلى حادث أول هو أول الحوادث، وإذا كان كذلك فلابد من انتهاء الناس إلى إنسان هو أول الناس، وإذا كان كذلك فذلك الإنسان الأول غير مخلوق مع الأبوين فيكون مخلوقاً لا محالة بقدرة الله تعالى. فقوله: {ولقد خلقنا الإنسان} إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، والمفسرون أجمعوا على أن المراد منه هو آدم (عليه السلام).
ونقل في “كتب الشيعة” عن محمد بن علي الباقر (عليه السلام) أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم، أو أكثر، وأقول: هذا لا يقدح في حدوث العالم، بل الأمر كيف كان، فلابد من الانتهاء إلى إنسان أول هو أول الناس، وأما أن ذلك الإنسان هو أبونا آدم، فلا طريق إلى إثباته إلا من جهة السمع)(١).
٢- وكما ذكر الآلوسي المتوفي سنة ١٢٧٠ هـ، في تفسيره:
(والذي عليه الجماعة من الفقهاء والمحدثين ومن وافقهم أنه ليس سوى آدم واحد ــ وهو أبو البشر ــ وذكر صاحب “جامع الأخبار” من الإمامية في الفصل الخامس عشر خبراً طويلاً نقل فيه أن الله تعالى خلق قبل أبينا آدم ثلاثين آدم، بين كل آدم وآدم ألف سنة، وأن الدنيا بقيت خراباً بعدهم خمسين ألف سنة، ثم عمرت خمسين ألف سنة، ثم خلق أبونا آدم (عليه السلام)، وروى ابن بابويه في كتاب “التوحيد” عن الصادق في حديث طويل أيضاً أنه قال: لعلك ترى أن الله تعالى لم يخلق بشراً غيركم، بلى والله لقد خلق ألف ألف آدم أنتم في آخر أولئك الآدميين، وقال الميثم في “شرحه الكبير على النهج” ــ ونقل عن محمد بن علي الباقر (عليه السلام) ــ أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر ... المزیدنعم إن آدمنا هذا (عليه السلام) مسبوق بخلق آخرين كالملائكة والجن وكثير من الحيوانات وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى...وذهب الكثير منا إلى أنه منذ كان إلى زمن البعثة ستة آلاف سنة وأن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة ورووا أخباراً كثيرة في ذلك، والحق عندي أنه كان بعد أن لم يكن ولا يكون بعد أن كان، وأما أنه متى كان ومتى لا يكون فمما لا يعلمه إلا الله تعالى، والأخبار مضطربة في هذا الباب فلا يكاد يعول عليها)(٢).
- ما روي عن طريق أهل البيت (عليهم السلام):
ونصوصنا عن أهل بيت العصمة تشير إلى ألف ألف آدم فيكون بعداد المليون، ولا يستبعد أن يحمل العدد في الروايات على الكثرة العظيمة، وليس بالضرورة نفس العدد المذكور.
ونستعرض فيما يلي أهم تلك النصوص والتي ليس فيها منفذ للتأويل:
ما روي عن الصدوق:
١- (روى الصدوق عن أبيه، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر الباقر في حديث قال: لعلك ترى أن الله إنما خلق هذا العالم الواحد، وترى أن الله لم يخلق بشراً غيركم، بلى والله لقد خلق الله ألف ألف عالم، وألف ألف آدم، أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين)(٣).
٢- (عن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن هذه الآية “كان الناس أمة واحدة” قال: قبل آدم وبعد نوح ضُلالاً فبدا لله فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين)(٤).
(وروى الصدوق عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلني الله فداك أسألك في الحج منذ أربعين عاما ًفتفتيني، فقال: يا زرارة بيت يحج قبل آدم (عليه السلام) بألفي عام، تريد أن تفنى مسائله في أربعين عام)(٥).
٣- (عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لقد خلق الله في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم، خلقهم من أديم الأرض فاسكنوها واحداً بعد واحد مع عالمه، ثم خلق الله آدم أبا هذا البشر وخلق ذريته منه)(٦).
لذلك تعامل علماؤنا مع هذه المسألة بمرونة أكبر مما عند المخالفين، ولكن مع الاحتياط وهم معذورون بذلك دون شك، ذكر الشيخ عبد الهادي الفضلي:
٤- (والبحث الديني يوصلنا إلى وقوع أو تحقق وجود عوالم أخرى غير عالمنا هذا، لما ورد في حديث جابر الجعفي عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام): (لعلك ترى أن الله إنما خلق هذا العالم الواحد، وترى أن الله لم يخلق بشراً غيركم، بلى والله لقد خلق الله ألف ألف عالم، وألف ألف آدم، أنت في آخر تلك العوالم وأولئك الآدميين).
والبحث العلمي يدلنا على حقيقة تلكم العوالم، أو يكشف لنا على الأقل عن جانب من حقيقة تلكم العوالم، فقد عثرت الكشوف العلمية الحديثة على (هياكل بشرية مشابهة لهيكل هذا الإنسان الحالي، كانت تعيش على الأرض قبل ملايين السنين)(٧).
وأمّا كيف كان شكلهم؟ وهل هو كالإنسان الموجود حالياً أو يختلف شكله؟
المذكور في القرآن الكريم أنّ الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (التين: ٤) وكرمه، فلم يذكر أن هذا التقويم للإنسان كان مختلف إلا في بعض الآيات القرآنية التي تشير إلى عقوبة بعض البشر ومسخهم على هيئة بعض الحيوانات، كالقردة كما في أصحاب السبت وغيرهم، لكن اكتشاف بعض الأجزاء العظمية لكائنات شبيه بالانسان المعاصر، يعزز فرضية أن الجنس البشري كان يتألف من عدة انواع انقرضت جميعها ما عدا الانسان الحالي؛ بسبب ظروف غامضة تتراوح بين المجاعة والابادة... وأخر الانواع البشرية انقراضا هو انسان (النيارندرتال) الذي انقرض قبل حوالي ٣٥ ألف سنة.
وهذه الفرضية ربما تدعمها بعض الروايات كرواية (الالف ادم) ولكن لا يتسنى لنا الجزم بأن الانسان المعروف (بالنياندرتال) هو فعلا من سلالة البشر أم لا؟ وهل ان الانسان الحالي متحدر عنه أم لا؟
فالعلماء قد تمكنوا من تحديد بعض ملامح الخريطة الجينية (للنياندرتال) حيث اكتشفوا نسبة عالية من التطابق، ولكنهم مع ذلك اكتشفوا فروقا جينية لا يمكن اغفالها، فهل يتعلق الامر بإنسان فعلا أم بحيوان يشبه الانسان؟
لا يسعنا أن نؤكد ذلك، فالدراسات العلمية غير مكتملة بعد، ولكنها جارية على قدم وساق لإثبات نوع العلاقة بين الانسان المعاصر والانسان المفترض.
ومهما يكن من أمر فنحن لا ننكر أن يكون قبل آدمنا (عليه السلام) سلالة بشرية سابقة وذلك طبقا لما ورد في مصادرنا مروياً عن أهل البيت (عليهم السلام)(٨).
الخلاصة:
يتبيّن مما سبق أن مسألة كون آدم (عليه السلام) أول البشر أو لا، ليست من المسائل العقدية التي يتوقف عليها الإيمان والكفر، بل هي من الغيبيات التي وردت فيها روايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تشير إلى وجود بشري سابق، أو عوالم بشرية متعددة، دون أن تنفي خصوصية آدم أبينا (عليه السلام) باعتباره أول إنسان من هذا العالم الذي ننتمي إليه.
ويبقى باب البحث مفتوحًا، والله وحده يعلم حقائق الخلق.
ودمتم في رعاية الله وحفظه.
___________________________________
(١) التفسير الكبير، الفخر الرازي، ج١٩، ص١١٧.
(٢) تفسير الالوسي ج٤، ص(١٨٠-١٨١).
(٣)التوحيد، الشيخ الصدوق، ص٢٧٧.
والخصال، الشيخ الصدوق، ص٦٥٢.
(٤) تفسير العياشي، ج١، ص ١٠٤.
التوحيد للصدوق، ص٢٧٧.
والخصال للصدوق، ص٦٥٢.
(٥) من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج٢، ص٢١٩.
(٦) تفسير العياشي، ج٢، ص ٢٣٨.
والخصال للصدوق، ص ٣٥٩.
(٧) كتاب أصول البحث، الفضلي، ص(٤٥-٤٦).
(٨) مركز الأبحاث العقائدية، [بتصرف].