السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أهـلاً وسـهلاً بكــم في تطبيــق المجيب
أبنتي الكريمة، أشكرك على سؤالك القيّم واهتمامك بالتاريخ الإسلامي، وننقل لك مقطع من مقال [إستراتيجية الكوفة في خلافة علي(عليه السلام)] للعلامة السيد جعفر مرتضى العاملي، في موقعه:
( ... المزید إن كثيراً من العوامل التي دفعت النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الهجرة إلى المدينة، هي نفسها كانت السبب في ترك علي (عليه السلام) المدينة إلى الكوفة، ولهذا البحث مجال آخر..
أما الكوفة:
فقد كانت في ذلك على الضد من المدينة، فهي بالإضافة إلى قربها إلى الشام والبصرة، وإلى أنها تقع في قلب الدولة الإسلامية، وفي نقطة الوسط بالنسبة إلى كثير من المناطق التي سوف تشهد نشاطاً واسعاً على مستوى الدولة وليتقرر من ثم مصير الأمة حاضراً ومستقبلاً بشكل عام.. إنها بالإضافة إلى ذلك:
١. كانت تملك الطاقات البشرية، أو على الأقل تستطيع ان تؤمن الكيمة الكافية القادرة على مواجهة أي تحدٍ مهما كان كبيراً.. ثم تمده بما يحتاج إليه باستمرار لو ظهر ثمة ما يبرر ذلك، لتوسطها، ولقربها من البلاد ذات الكثافة السكانية..
٢. وهي أيضاً قادرة اقتصادياً على التموين المستمر للجيوش التي سوف تواجه الحرب، لما تملكه هي والمناطق القريبة إليها من ثروات زراعية متمثلة بالسواد الذي كان يحاذي الفرات، ثم تمكنها من الاتصال السريع بمناطق الثروات إن اقتضت الحاجة إلى ذلك.
هذا عدا عن موقعها التجاري في المنطقة سواء بالنسبة إلى الفرس أو إلى العرب على حد سواء.
٣.ثم هناك قرب العراق من الشام بالنسبة إلى الحجاز..
وقد جمع علي (عليه السلام) الأسباب الثلاثة المتقدمة، في جوابه لأبي أيوب (رحمه الله) تعالى، حيث قال له (عليه السلام): «صدقت يا أبا أيوب، ولكن الرجال والأموال بالعراق، وأهل الشام لهم وثبة أحب أن أكون قريباً منهم الخ..»
وقال (عليه السلام) حينما نصحه ابن عباس بأن يولي طلحة والزبير الكوفة والبصرة: «ويحك، إن العراقين بهما الرجال والأموال، ومتى تملكا رقاب الناس يستميلا السفيه بالطمع، ويضربا الضعيف بالبلاء، ويقويا على القوي بالسلطان».
وقال المغيرة بن شعبة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، بعد أن عرض عليه أموراً:
"فإن أبيت فاخرج من هذه البلاد، فإنها ليست ببلاد كراعٍ وسلاح".
وقال المنصور لمسلم بن قتيبة: قد خرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة. قال ليس بشيء، خرج بأرض ليس بها حلقة ولا كراع قال: "قد خرج إبراهيم بالبصرة قال: قد خرج بأرض لو شاء أن يقيم بها سنة يبايعه كل يوم ألف رجل ويضرب له فيها كل رجل ألف بسيف لا يعلم به احد يمكنه ذلك".
٤- هذا.. وقد تقدم أن العراقيين كانت لديهم القابلية للإغواء من قبل معاوية ثم تأليبهم على أمير المؤمنين (عليه السلام).. وذلك بملاحظة ظروف معينة عاشها ويعيشها العراق نفسياً واجتماعياً وفكرياً وغير ذلك.. وقد تحدثنا عن بعض ذلك في كتاب لنا حول الخوارج، وكتابنا: الحياة السياسية للإمام الحسن (عليه السلام) في عهد الرسول والخلفاء الثلاثة بعده.
٥- ثم أن الأخطبوط الأموي، والتيمي والزبيري، وغيرهم من طلاب اللبانات، ومن وترهم الإسلام على يد علي (عليه السلام) – هذا الأخطبوط – كان أقل قدرة على التحرك والمناورة فيها..
٦- ثم إنه لم يكونوا قد تعودوا على لذائذ الحياة وزبارجها وبهارجها، بملاحظة حياتهم الحربية على مر الزمن، فكان يسهل عليهم التضحية وخوض غمار الحروب ومكابدة شظف العيش وتحمل الصعاب.
بل إن العراق كان أفضل من الشام من حيث الأموال والرجال فقد قال نسير بن ثور العجلي لخالد بن الوليد: "ليس الشام عوضاً من العراق ساعة قط لأن العراق اكثر من الشام حنطة وشعيراً وديباجاً وحريراً وفضة وذهباً وقراً ونسباً وما الشام كلها إلى كجانب من جوانب العراق. فقال له خالد صدقت يا نسير، إن العراق لعلى ما تقول".
وهكذا يتضح أن الإمام علياً (عليه السلام) وصي الرسول (صلى الله عليثه وآله) الذي نصبه قائداً للأمة في يوم الغدير، لم يتخذ الكوفة عاصمة لخلافته إلا لاعتبارات استراتيجية وعسكرية فرضت عليه ذلك.. ولم يكن ذلك إجراء عفوياً مرتجلاً، كما قد يتخيل بعض من لم يمعن النظر في مواقفه عليه السلام، ويحاكم الظروف التي كانت قائمة آنذاك بدقة وموضوعية وتجرد).
ودمتم في رعاية الله وحفظه.