logo-img
السیاسات و الشروط
( 19 سنة ) - السعودية
منذ سنة

تفرّق الشيعة بعد الإمام الصادق

سمعت مقطعًا لأحد النواصب يقول إن بعد استشهاد الإمام الصادق عليه السلام تفرّق الشيعة، فبعضهم قال بإمامة إسماعيل، وآخرون عبد الله بن جعفر، أو محمد بن جعفر، أو حتى قالوا إن الصادق هو المهدي. وذكر هذا الشخص أن كبار الشيعة مثل عمار الساباطي وأبو بصير وبريد بن معاوية بايعوا عبد الله بن جعفر (الأفطح)، محاولًا التشكيك بإمامة الإمام الكاظم عليه السلام. علمًا أنني مؤمن يقينًا بأن الحق مع الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، لكن أطلب منكم ردًا علميًا على هذا الكلام، خصوصًا ما يتعلق بادعاء أن هؤلاء من الفطحية


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته حياكمَ الله ولَدنا العزيز، وتقبل أعمالكَ بأحسن القبول في الواقع هذا السؤال من الشبهات القديمة التي يحاول بعض النواصب والمتأثرين بهم إحياءها في العصر الحديث للتشكيك بإمامة الإمام الكاظم (عليه السلام)، والتقليل من صلابة البنية العلمية والعقائدية لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام). وعلى كل حال فالجواب على هذه الشبهة سيكون في عدة مطالب محكمة، نوردها فيما يلي: المطلب الأول: ثبوت إمامة الإمام الكاظم (عليه السلام) بالنص والقرائن القطعية: ثبتت إمامة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) بالنصوص الصريحة عن أبيه الإمام الصادق (عليه السلام)، ومن ذلك: 1- " عن يزيد بن سليط الزيدي قال: لقينا أبا عبد الله عليه السلام في طريق مكة ونحن جماعه فقلت له: بابى أنت وأمي أنتم الأئمة المطهرون والموت لا يعرى أحد منه فأحدث إلى شيئا ألقيه من يخلفني فقال لي: نعم هؤلاء ولدى وهذا سيدهم وأشار إلى ابنه موسى عليه السلام وفيه العلم والحكم والفهم والسخاء والمعرفة بما يحتاج الناس إليه فيما اختلفوا فيه من أمر دينهم وفيه حسن الخلق وحسن الجوار وهو باب من أبواب الله تعالى عز وجل". المصدر: عيون أخبار الرضا (ع) ، الشيخ الصدوق ، الجزء ٢ ، الصفحة ٣٤. 2- " أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد قال دعا أبو عبد الله عليه السلام أبا الحسن عليه السلام يوما ونحن عنده فقال لنا: عليكم بهذا، فهو والله صاحبكم بعدي. ". المصدر: الكافي ، الشيخ الكليني ، الجزء ١ ، الصفحة ٣١٠. 3- " علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن عبيس بن هشام (1) قال: حدثني عمر الرماني، عن فيض بن المختار قال: إني لعند أبي عبد الله عليه السلام إذ أقبل أبو الحسن موسى عليه السلام - وهو غلام - فالتزمته وقبلته، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أنتم السفينة وهذا ملاحها، قال: فحججت من قابل ومعي ألفا دينار فبعثت بألف إلى أبي عبد الله عليه السلام وألف إليه، فلما دخلت على أبي عبد الله عليه السلام قال: يا فيض عدلته بي؟ قلت: إنما فعلت ذلك لقولك، فقال: أما والله ما أنا فعلت ذلك، بل الله عز وجل فعله به. " المصدر: الكافي ، الشيخ الكليني ، الجزء ١ ، الصفحة ٣١١. وهناكَ روايات غيرها في النصّ على إمامة الإمام الكاظم (عليه السلام) كثيرةٌ ورصينة. المطلب الثاني: ادعاء تفرّق الشيعة بعد الإمام الصادق (عليه السلام): لا تخفي مدرسة أتباع أهل البيت وقوع بعض الانقسامات بعد شهادة الإمام الصادق (عليه السلام)، فقد حصلت بعض الانقسامات كما حصل بعد وفاة كل إمام من أئمة الهدى (عليهم السلام). لكن هذه الانقسامات كانت هامشية ومحدودة الأثر، ولم تستمر طويلاً، وأكثرها انقرض بسرعة. ولم يكن أتباعها من كبار علماء الشيعة، بل من أفراد مغالين أو متأثرين بظروف سياسية واجتماعية. وتبين المصادر التاريخية أنّ المصدر الأكبر للشبهة عند هؤلاء كون عبدالله اكبر ابناء الإمام الصادق (عليه السلام). ولكن بنفس الوقت مَن يتتبع القضية وظروفها يتبين له انها كما وصفنا حالة من الاشتباه عند بعض الشيعة سرعانَ ما زالت، فعبد الله الافطح مات بعد سبعين يوم من شهادة ابيه الصادق (عليه السلام). ننقل ما ذكره العلامة المجلسي (رضوان الله عليه) مؤيداً لما ذكرنا: " رجال الكشي: الفطحية هم القائلون بإمامة عبد الله بن جعفر بن محمد عليه السلام و سموا بذلك لأنه قيل: إنه كان أفطح الرأس، وقال بعضهم: كان أفطح الرجلين وقال بعضهم: إنهم نسبوا إلى رئيس من أهل  الكوفة  يقال له عبد الله بن فطيح، و الذين قالوا بإمامته عامة مشايخ العصابة وفقهاؤها مالوا إلى هذه المقالة، فدخلت عليهم الشبهة لما روي عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: الإمامة في الأكبر من ولد الامام إذا مضى إمام. ثم منهم من رجع عن القول بإمامته لما امتحنه بمسائل من الحلال والحرام لم يكن عنده فيها جواب، ولما ظهر منه من الأشياء التي لا ينبغي أن تظهر من الامام. ثم إن عبد الله مات بعد أبيه بسبعين يوما فرجع الباقون إلا شذاذا منهم عن القول بإمامته إلى القول بامامة أبي الحسن موسى عليه السلام ورجعوا إلى الخبر الذي روي أن الإمامة لا تكون في الأخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام، وبقي شذاذ منهم على القول بإمامته، وبعد أن مات قال بامامة أبي الحسن موسى عليه السلام. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لموسى: يا بني إن أخاك سيجلس مجلسي ويدعي الإمامة بعدي فلا تنازعه بكلمة فإنه أول أهلي لحوقا بي". المصدر: بحار الأنوار، العلامة المجلسي، الجزء ٤٧، الصفحة ٢٦١. المطلب الثالث: دعوى أن أمثال أبي بصير وبريد وعمار الساباطي كانوا من الفطحية: لا يخفى أنّ الميزان في تقييم كل فرد في التاريخ هو حُسن عقيدته وحسن مسيرته، ولا اعتبار بما هو خارج ذلك. فاذا ثبت ان شخصاً كان منحرفاً عن الحق فهذا لا يضرُّ الحق بشيء ، نعم هذا يوجب علينا الانتباه من اتباع هذا المنحرف. وبالعودة للاسماء التي ذكرها المُشكل فمن الواضح جدا ان هذا المتكلم يرمي كلامه على عواهنه، فعندما يقول: أبو بصير، فمَن هو قصده ؟ هل قصده ابو بصير ليث بن البختري، الذي اختلف فيه، الا انه نُقِلَ عنه انه نقل روايات النص عن الامام الكاظم (عليه السلام) كما ذكر ابن شهر آشوب: " وعد ابن شهرآشوب أبا بصير من الثقات الذين رووا النص الصريح على إمامة موسى بن جعفر عليه السلام من أبيه. المناقب: الجزء 4، باب أبي إبراهيم موسى بن جعفر، في (فصل في معالي أموره عليه السلام) ". راجع: معجم رجال الحديث، السيد الخوئي ، الجزء ١٥، الصفحة ١٤٥. ام يقصد ابو بصير الأسدي؟ ام يقصد ابو بصير المكفوف ؟ ام يقصد ابو بصير المرادي؟ ام غير هؤلاء، فهؤلاء منهم الذين شهد العلماء بوثاقتهم، ومنهم من ضُعِّفَ. وعندما يقول بريد بن معاوية العجلي، فهل يعلم ان اهل التحقيق من علماء الرجال ذكروا ان بريد توفي في زمن حياة الامام الصادق (عليه السلام) ؟! ذكر الشيخ النجاشي: " بريد بن معاوية أبو القاسم العجلي، عربي، روى عن أبي عبد الله وأبي جعفر عليهما السلام، ومات في حياة أبي عبد الله عليه السلام ". وقد ذكر السيد الخوئي (رضوان الله عليه) ما يستفاد منه ذلك. راجع : معجم رجال الحديث، السيد الخوئي ، الجزء ٤، الصفحة ١٩٥. واما بالنسبة لعمار الساباطي، فهو وان ذُكر كونه فطحياً، فإنّ اعتباره واحترامه في كلمات الاعلام لا من حيث عقيدته، بل من حيث روايته. فالمدار عند الاعلام في قبول الرواية ان يؤمن هذا الرجل من كونه كاذباً ومدلساً في روايته. " قال الشيخ: قد ضعفه (عمار الساباطي) جماعة من أهل النقل وذكروا أن ما ينفرد بنقله لا يعمل به لأنه كان فطحيا، غير أنا لا نطعن عليه بهذه الطريقة لأنه وإن كان كذلك فهو ثقة في النقل، لا يطعن عليه، فيه.") راجع: معجم رجال الحديث، السيد الخوئي ، ج ١٣ ، الصفحة ٢٧٨. فلا يبقى بعد ذلك للاشكال على مذهب الحق مذهب اهل البيت (عليهم السلام) بهذه الاسماء الثلاثة. والخلاصة: الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) هو الإمام المنصوص عليه بعد أبيه، وكل الأدلة النقلية والعقلية والعلمية تدل على ذلك. دعوى أن كبار الشيعة كانوا فطحيين ساقطة علمياً ةلا تستند إلى وثائق معتبرة، بل هي مغالطة ناصبية. اختلاف الفرق لم يكن على أساس قوة علمية، بل كان مردّه الجهل أو التشويش، وانتهى سريعاً. مقام الإمامة لا يخضع لآراء الناس، بل هو تابعٌ للنص السماوي الربّاني، وله معايير حاكمة. دمتم في رعاية الله