وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
حياكم الله وتقبل أعمالكم بأحسن القَبول
إنّ من أهم المسائل العقدية والتي يترتب عليها آثاراً مهمة جداً، منها خلق نوع من الوئام والتعايش السلمي بين المسلمين، أو خلق جو مشحون ومتوتر بينهم، وربّما يصل إلى الاقتتال؛ فلذلك لا بدّ للباحث ان يقرأ ويحقق في هذه المسألة برويّة، وأن يتجرّد عن التعصّب والرؤية القاصرة.
وهنا نسعى أن نعطي رؤية مختصرة جداً، ولكن فيها نظر وشمولية لما ورد في القرآن الكريم وسنة أهل البيت "عليهم السلام" فنقول وبه نستعين:
قد جاء في القرآن المجيد{ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرً(97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) (99) النساء.
في هذه الايات المباركة حوار بين الملائكة وبين بعض الناس في حال الاحتضار. ويتحصل من مجموع هذه الآيات أنّ المستضعفين على قسمين:
القسم الأوّل: المستضعفون الذين عندهم قدرة على التخلص من الاستضعاف، ويستطيعون أن يتخلصوا منه، لكن لم يفعلوا فهؤلاء (فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
القسم الثاني: هم من المستضعفين أيضاً بدليل الاستثناء, ولكن هم ليس لهم القدرة على التخلص من الاستضعاف (لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا).
ومن الواضح أنّ هؤلاء قد اختلف أمرهم عن القسم الأوّل، فقال الله تعالى عنهم (فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) فهم مرجون لأمر الله لكن ذيل الآية فيها زرع الأمل في نفوسهم فهم للعفو أقرب منه الى العقوبة (وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا)
ومن ذلك فهم العلامة صاحب الميزان (قده)هذا الرأي حيث قال:
(فالجاهل بالدين جملة أو، بشيء من معارفه الحقّة إذا استند جهله إلى ما قصر فيه وأساء الاختيار استند إليه الترك، وكان معصية، وإذا كان جهله غير مستند إلى تقصيره فيه أو في شيء من مقدماته بل إلى عوامل خارجة عن اختياره أوجبت له الجهل أو الغفلة أو ترك العمل لم يستند الترك إلى اختياره، و لم يعد فاعلاً للمعصية، متعمداً في المخالفة، مستكبراً عن الحقّ جاحداً له، فله ما كسب و عليه ما اكتسب، و إذا لم يكسب فلا له و لا عليه.
وبعد معرفة أنّ هنالك قسمين من المستضعفين قسم مأواهم جهنم وساءت مصيراً، وقسم مرجون لأمر الله، وهم اقرب للعفو والغفران .
(و آخرون مرجون لأمر الله إمّا يعذبهم، وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم)
ولنتأمل في روايات أهل البيت "عليهم السلام" هل ذكرت هؤلاء المستضعفين الذين لايستطيعون حيلة ولا يملكون الوسائل لرفع استضعافهم ،وبماذا حكمت عليهم.
رواية صحيحة .عن علي بن سويد قال كتبت الى ابي الحسن موسى ... المزید. وسألت عن الضعفاء من هم ؟
قال: فالضعيف من لم يرفع إليه حجة ولم يعرف الاختلاف– الاختلاف الذي يؤدي الى تزعزع العقائد–فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف.
إذن يتضح من ذلك كلّه أنّ هناك الجاهل القاصر، والجاهل المقصر.
والجاهل القاصر: هو الذي لم ترفع له الحجة أو أنّ الحجة رفعت له لكن لم تشككه فيما هو عليه فبقي على اعتقاده.
الجاهل المقصر: هو الذي رفعت له الحجة واحتمل أنّ الحقّ مع الآخر، لكنّه لم يتحرّٓ، ولم يرفع استضعافه.
فمن لم تقم عنده الحجة، أو قامت له الحجة، لكنّه قاطع بعدم صحتها، فهذا الصنف معذور؛ لأنّه من القاصرين. ومما يؤيد ذلك بعض أخبار اهل البيت "عليهم السلام" منها:
ما ورد في تفسير العياشي ج 1، ص 286:
عن أبى خديجة عن أبى عبد الله "عليه السلام "قال: " المستضعفين من الرجال والنساء لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً " قال: لا يستطيعون سبيل أهل الحقّ فيدخلون فيه، ولا يستطيعون حيلة أهل النصب، فينصبون، قال: هؤلاء يدخلون الجنة بأعمال حسنة وباجتناب المحارم التى نهى الله عنها ولا ينالون منازل الأبرار.
وأيضاً رواية صحيحة السند بشهادة الشيخ القمي عن ضريس الكناني عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك ما حال الموحدين المقرين بنبوة محمد "صلى الله عليه وآله" من المسلمين المذنبين الذين يموتون، وليس لهم إمام ولا يعرفون ولايتكم؟ فقال: أمّا هؤلاء فإنّهم في حفرهم– لايقصد القبر الفقهي بل البرزخي- لا يخرجون منها، فمن كان له عمل صالح ولم يظهر منه عداوة، فإنّه يخدُّ له خدّا إلى الجنة التي خلقها الله بالمغرب فيدخل عليه الروح في حفرته إلى يوم القيامة، حتى يلقى الله فيحاسبه بحسناته وسيئاته، فإمّا إلى الجنة وإمّا إلى النار، فهؤلاء الموقوفون لأمر الله....)
فلذلك ذهب بعض أعلام مدرسة أهل البيت "عليهم السلام" إلى عدم حتميّة دخول كلّ المخالفين في النار، ومنهم العلامة المجلسي رحمه الله في البحار وفي مرآة العقول، حيث قال: ((وأمّا غير الشيعة الإمامية من المخالفين وسائر فرق الشيعة ممّن لم ينكر شيئاً من ضروريات دين الإسلام، فهم فرقتان:
إحداهما : المتعصّبون المعاندون منهم ممّن قد تمت عليهم الحجة فهم في النار خالدون،
والأخرى: المستضعفون منهم وهم الضعفاء العقول مثل النساء العاجزات والبُله وأمثالهم، ومن لم يتمّ عليه الحجّة ممّن يموت في زمان الفترة، أو كان في موضع لم يأتِ إليه خبر الحجة فهم المرجون إلى الله، إمّا يعذّبهم وإمّا يتوب عليهم، فيرجى لهم النجاة من النار)) انتهى.
وأيضاً من الأعلام السيد الخوئي(قده)، والسيد الخميني (قده) وغيرهم، فلهم كلام قد فصّلوا فيه بيان أحكام المخالفين.
ودمتم في رعاية الله