كيف كان كان يدار بيت المال و ما المعايير الي تحدد التقسيم و نصيب كل من المسلمين، و كيف كان التعامل إن كان شخص قادم من بدل آخر؟ في عهد الامام علي عليه السلام
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أهلاً وسهلاً بكم في تطبيق المجيب
ولدي العزيز، عُرف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) احتياطه الشديد في صرف أموال المسلمين العامة، ونعرض فيما يلي نماذج من سيرته المباركة في ذلك، فلا يفرق عنده، من كان قادما من خارج البلد أو من داخله، فالإمام (عليه السلام) نظام في العطاء يسير عليه، ويعطي لكل ذي حق حقه.
كان (عليه السلام) يحرص أن لا يصرف من بيت المال إلا فيما يتعلق بقضايا المسلمين العامة، فكان لا يصرف شيئاً منه في العلاقات الخاصة، ومما ورد في سيرته أنه (عليه السلام) كان يكتب في بيت المال، فورد عليه طلحة والزبير، فأطفأ السراج الذي بين يديه، وأمر بإحضار سراج آخر من بيته، فسألاه عن ذلك، فقال: " كان زيته من بيت المال، لا ينبغي أن نصاحبكم في ضوئه "(١).
وكان (عليه السلام) يأمر عمَّاله أن يحتاطوا في صرف المال العام حتى في كتابة التقارير التي يرسلونها إليه فكان يدعوهم إلى عدم تعريض رأس القلم حتى لا يزيد صرف الحبر والى مقاربة السطور كي لا يزيد صرف الجلود، والى عدم تطويل الكلام بالفضول، فقد ورد عنه (عليه السلام): "أدقوا أقلامكم، وقاربوا بين سطوركم، و احذفوا عنِّي فضولكم، واقصدوا قصد المعاني، وإياكم والإكثار ؛ فإن أموال المسلمين لا تحتمل الإضرار "(٢).
وكان (عليه السلام) ينهى عن الجود والكرم بالأموال العامة ، فكان يقول: "جود الولاة بفيء المسلمين جور وخَتْر-أي غدر-"(٣).
وكان (عليه السلام) شديداً في التعامل بشأن الأموال العامة كما تشهد بذلك قصته (عليه السلام) مع أخيه عقيل والتي رواها أمير المؤمنين بنفسه مقدِّماً بقوله: " والله، لقد رأيت عقيلاً وقد أملَق حتى استمحاني من بُرّكم صاعاً، ورأيت صبيانه شُعْث الشعور، غُبْر الألوان من فقرهم، كأنّما سُوّدت وجوههم بالعِظْلِم(٤) وعاودني مؤكِّداً، وكرّر عليَّ القول مردِّداً، فأصغيت إليه سمعي، فظنّ أنّي أبيعه ديني، وأتّبع قِياده مفارقاً طريقي. فأحميت له حديدة، ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضجّ ضجيج ذي دَنَف(٥) من ألمها، وكاد أن يحترق من ميْسمها، فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل أتَئِنّ من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه ؟! أتئن من الأذى ولا أئِنّ من لظى ؟ "(٦).
وكان (عليه السلام) يصُّر على المحافظة على أموال المسلمين مهما كلَّف الأمر، فهو القائل في الأموال التي اقتطعها عثمان ووزعها على مقرَّبيه بغير عدل: " والله، لو وجدته قد تُزُوِّج به النساء، ومُلِك به الإماء، لرددته. فإن في العدل سعة. ومن ضاق عليه العدل، فالجور عليه أضيق "(٧).
وقد ورد انه علم تَصرُّف أحد ولاته بمال المسلمين بغير حق فأرسل إليه: " … فسبحان الله أما تؤمن بالمعاد ؟ أو ما تخاف نقاش الحساب ؟ ... المزید كيف تُسيغ شراباً وطعاماً، وأنت تعلم انك تأكل حراماً، وتشرب حراماً... فاتق الله واردُد إلى هؤلاء القوم أموالهم فانك إن لم تفعل، ثم أمكنني الله منك، لأُعذَرَنَّ إلى الله فيك، ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربتُ به أحداً إلا دخل النار ! "(٨).
جعلنا الله من السائرين في نهج الإمام علي عليه السلام والسالكين في خطّه ودربه الموصل إلى جنان الخُلد.
دمتم في رعاية الله وحفظه.
————————————-
١- موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (ع) في الكتاب والسنة والتاريخ، محمد الريشهري، ج ٤، ص ٢٢١.
٢- الخصال، الشيخ الصدوق، ص ٣١٠.
٣-موسوعة الإمام علي بن أبي طالب (ع) في الكتاب والسنة والتاريخ، محمد الريشهري، ج ٤، ص ٢١٠).
٤- نبات شديد السواد.
٥- المرض الثقيل الملازم.
٦- الإمام علي بن أبي طالب (ع)، أحمد الرحماني الهمداني، ص ٦٦٩.
٧- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ١، ص ٢٦٩.
٨- الإمام علي بن أبي طالب (ع)، أحمد الرحماني الهمداني، ص ٧٨١.