logo-img
السیاسات و الشروط
مُحَمد ( 18 سنة ) - العراق
منذ سنة

تأثير الاستغفار المتكرر على الشعور بالندم والخشوع

هل الاستغفار عن الذنب بدون خشوع القلب والندم يُقبل؟ وهل اذا أكثرنا من هذا الاستغفار سوف يلين القلب اخيرا ويستشعر الذنب والندم؟


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته إنّ الاستغفار المطلوب ليس هو قول «أستغفر الله» باللسان فقط، وإنّما له شروط لا بد وأن تتوفر ليكون الاستغفار حقيقيّاً وصحيحاً، فالاستغفار اللساني الذي لا تتوفر فيه شروط الاستغفار ليس له أيّ أثر فعّال، فلا تتحقق التوبة والمغفرة بموجبه، حيث أنّ هذا النوع من الاستغفار يعتبر في نظر الشرع الشريف مجرّد لقلقة لسان لا أكثر من ذلك، فلا بدّ أن يكون الاستغفار ناشئاً من ندم العبد الشديد على حياته الماضية التي قضاها في أجواء الانحراف والطاعة للشيطان والأهواء والشهوات بعيداً عن طاعة الحقِّ سبحانه وتعالى، والذي يرافقه العزم بإرادة قويّة وتصميم أكبر على عدم الرجوع إلى ممارسة الذنب وما كان عليه من انحرافات سابقة، فمتى ما كان استغفاره واجداً لهذين الشرطين كان استغفاراً حقيقيّاً، فهذا الاستغفار هو الاستغفار الذي تستتبعه التوبة، والذي أشار إليه الإمام الصادق «عليه السلام» في قوله: ( ... المزید ومن أعطي الاستغفار لم يحرم من التوبة ...)، وهو الذي أشار إليه الحق سبحانه وتعالى في قوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا. (١). ولا بدّ أن يراعي المستغفر أيضاً أمرين واجبين عليه وهما: الأول: أن يحصي الفرائض التي فاتته في وقت انحرافه إلى يوم استغفاره، ويقضي كلّ ما فاته من هذه الفرائض كالصلاة والصيام والحج، ويؤدّي الحقوق المالية كالزّكاة والخمس وما لزمه من كفارات، فلا يغني عنها الاستغفار والتوبة، فلا بدَّ من أن يجتهد في قضائها وأدائها ولا يترك في ذمّته شيءٌ منها. الثاني: أن يؤدي إلى النّاس حقوقهم التي اعتدى عليها أيام انحرافه، وأن يستحلَّ من اعتدائه عليهم في أموالهم وأنفسهم وغير ذلك. فينقل أن الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» سمع شخصاً بحضرته يقول: «أستغفر الله»، فقال له: (ثكلتك أمك، أتدري ما الاستغفار؟ إنّ الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معان: أولها: الندم على ما مضى. والثاني: العزم على ترك العود إليه أبداً. والثالث: أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم، حتى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة. والرابع: أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدى حقها. والخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان، حتى يلصق الجلد بالعظم، وينشأ بينهما لحم جديد. والسادس: ان تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية. فعند ذلك تقول أستغفر الله). (٢). وفي الأمر الخامس والسادس من المعاني التي ذكرها الإمام «عليه السلام» للاستغفار، يشير إلى أمرين هما أشبه بجبران ما أضاعه الذنب من كونهما شرطين في صحة الاستغفار والتّوبة، أحدهما: أن يعيش العبد في خوف دائم لعدم علمه بقبول الله عزّ وجل لتوبته، خوفاً يصهر كلَّ ذلك اللحم الذي نبت من السحت والحرام، حتّى ينشأ ويتكوّن مكانه لحم جديد من الحلال. والثاني: أن يمارس العبادة والطاعة ويكثر منها لترتفع عن نفسه ظلمة المعاصي وينقشع عنها ذلك التكدّر والرّين الذي أصابها بسبب المعصية، فتتنوّر بنور الطاعة، فعن النبي «صلى الله عليه وآله» قال: (وجدت الحسنة نوراً في القلب، وزيناً في الوجه، وقوة في العمل، ووجدت الخطيئة سواداً في القلب، ووهناً في العمل، وشيناً في الوجه). (٣). ولما تخلّفه ممارسة الطاعة بشكلها الواسع من ألم للنفس الذي هو نوع من المجاهدة لها، بل هو عقاب لها على ما استأنست به واستلذته من حلاوة المعصية. ودمتم في رعاية الله وحفظه. ------------------------------ (١) النساء: 110. (٢) روضة الواعظين، صفحة 479. (٣) كنز العمال، ج 16، ص 110.

1