logo-img
السیاسات و الشروط
مصطفى ( 19 سنة ) - العراق
منذ سنة

طلب الإمام الحسين للماء

السلام عليكم هل سيد الشهداء الامام الحسين (صلوات ربي وسلامه عليه) طلب الماء من الأعداء أكثر من مرة لنفسه؟ وأن أصحابه (رضوان الله عليهم) لم يطلبوا الماء لأنفسهم؟


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أهلاً وسهلاً بكم في تطبيق المجيب ولدي العزيز، إن مسألة العطش كانت عامة شاملة للإمام الحسين (عليه السلام) ومن كان معه من أطفال ونساء وأصحاب، وقضية طلب الماء من الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن يطلبه لنفسه خاصة وإنما كان يطلبه لمن كان معه؛ لأنه القائد وإمام معصوم، منه تصدر الأوامر، وهذا لم يكن خافياً عليهم (رضوان الله تعالى عليهم جميعاً). فالإمام أعلى وأكرم من أن يترك العيال والأطفال ويطلبه لنفسه. ولابد من الإشارة إلى أمر مهم، وهو: كل من كان مع الإمام الحسين (عليه السلام) كان يعرف منزلته، ومقامه عند الله فعدم طلب الماء من الأصحاب هو مواساة له وأسوة به (عليه السلام) وهذا ليس ببعيد، بل حتى فرس الإمام كانت تعرف حقه ولم تجرأ أن تشرب قبل الإمام حينما وصل إلى الماء، كما ذكره ابن شهرآشوب حيث قال: وروى أبو مخنف، عن الجلودي: أن الحسين (عليه السلام)، حمل على الأعور السلمي وعمرو بن الحجاج الزبيدي، وكانا في أربعة آلاف رجل على الشريعة وأقحم الفرس على الفرات، فلما أولع الفرس برأسه ليشرب، قال (عليه السلام): «أنت عطشان وأنا عطشان والله لا ذقت الماء حتى تشرب». فلما سمع الفرس كلام الحسين (عليه السلام) شال رأسه ولم يشرب كأنه فهم الكلام. (مدينة المعاجز، السيد هاشم البحراني، ج٣، ص٥٠٥). ففي هذا النص اعجوبه إنسانية، بل كونية، لم يفهمها أصحاب القلوب الجلفة، وفهمها الفرس، أن هذا الإنسان هو الإمام الحسين (عليه السلام) المفترض الطاعة، على كل الخليقة ليس فقط على الناس، فلم تجرأ الخيل على التقدم على إمامه، فكيف باصحاب الحسين (عليه السلام)؟! وهو القائل (عليه السلام): «أما بعد: فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني خيراً» (الإرشاد، الشيخ المفيد، ج٢، ص٩١). ومع ذلك نذكر بعض النصوص التي تحدَّثت عن طلب الإمام الحسين (عليه السلام) للماء، ويُمكنُ تصنيفُها إلى طوائفَ ثلاث: الطائفة الأولى: نصَّت على أنَّه (عليه السلام) طلب الماء بمعنى أنَّه سعى من أجل الوصول للفرات ليشربَ منه. ومن تلك النصوص: النص الأول: ما أورده ابنُ أعثم في الفتوح قال: "فَحَمَلَ عَلَيهِ القَومُ بِالحَربِ، فَلَم يَزَل يَحمِلُ عَلَيهِم ويَحمِلونَ عَلَيهِ وهُوَ في ذلِكَ يَطلُبُ الماءَ لِيَشرَبَ مِنهُ شَربَةً، فَكُلَّما حَمَلَ بِنَفسِهِ عَلَى الفُراتِ، حَمَلوا عَلَيهِ حَتّى أحالوهُ عَنِ الماءِ". فقوله: "وهُوَ في ذلِكَ يَطلُبُ الماءَ لِيَشرَبَ مِنهُ شَربَةً" واضح في أنَّ طلبه يعني سعيه للوصول للفرات ليشربَ منه الماء بقرينة قوله بعد هذه الفقرة: "فَكُلَّما حَمَلَ بِنَفسِهِ عَلَى الفُراتِ، حَمَلوا عَلَيهِ حَتّى أحالوهُ عَنِ الماءِ". (الفتوح، ابن أعثم، ج٥، ص١١٧). النص للثاني: ما أورده أبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين ص(٩٤) قال: "وجعل الحسين يطلب الماء وشمر - لعنه الله - يقول له: والله لا ترده أو ترد النار فقال له رجل: ألا ترى إلى الفرات يا حسين كأنه بطون الحياة، والله لا تذوقُه أو تموتُ عطشاً فقال الحسين (عليه السلام): «اللهم أمتْه عطشا»". والمراد من طلب الماء - كما هو واضح - هو السعي للوصول إلى الفرات بقرينة قول الشمر: "والله لا ترده" أي لا تصل إلى ماء الفرات، فالورود بمعنى الوصول لموضع الماء كما هو مفاد قوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} (القصص: ٣٣). الطائفة الثانية: نصَّت على أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) طلب من أخيه أن يأتيه بالماء من الفرات وقد ورد في ذلك العديد من النصوص نذكر منها: النص الأول: ما أورده ابن سيده (ت ٤٥٨ هج) في المخصص قال: " ... المزید دَعوا العباس بن عليٍّ أبا قِربة وسَمَّوْهُ السَّقَّاء لأخْذِه القِربة حين عطش الحسين (عليه السّلام) وتوجهه إلى الفرات واتَّبعه أخوتُه لأمِّه بنو علي عثمان وجعفر وعبد الله فقُتل إخوتُه قبله وجاء بالقِربة يحملُها إلى الحسين .." (المخصص، ابن سِيده، ج٤، ص١٧٤). النص الثاني: ما أورده ابن حبَّان (ت: ٣٥٣هج) في الثقات قال: "والعباس يُقال له السقَّاء، لأنَّ الحسينَ طلبَ الماء في عطشِه وهو يُقاتل فخرجَ العباسُ وأخوه واحتال حمل إداوةَ ماءٍ ودفعَها إلى الحسين، فلمَّا أراد الحسينُ أنْ يشربَ من تلك الإداوة جاء سهمٌ فدخل حلقَه فحال بينَه وبين ما أراد من الشُرب". (الثقات، ابن حبَّان، ج٢، ص٣١٠). فهذا النصُّ - وكذلك الذي قبله - صريحٌ في أنَّ الحسين (عليه السلام) طلب الماء ولكنَّه طلبه من أخيه العباس وتمكَّن العباس (عليه السلام) من أن يأتيه بالماء ولكنَّه - بحسب هذا النص - حين أراد أن يشرب صوَّب أحدُهم سهمًا إلى حلقَه فحال بينَه وبين ما أراد من الشُرب. ونضيف إلى هذين النصين النص الثالث الذي يذكر فيه أن طلب الماء كان من الإمام الحسين (عليه السلام) لكن السعي في الطلب كان من الإمام العباس (عليه السلام) مع البعض من اصحاب الإمام الحسين (عليهم السلام). النص الثالث: لما اشتد العطش على الحسين دعا أخاه العباس بن علي فبعثه في ثلاثين راكباً وثلاثين راجلاً وبعث معه بعشرين قربة فجاءوا حتى دنوا من الماء فاستقدم أمامهم نافع بن هلال الجملي فقال له عمرو بن الحجاج من الرجل؟ قال: نافع بن هلال، قال: مرحباً بك يا أخي ما جاء بك؟ قال: جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلاءتمونا عنه، قال: اشرب، قال: لا والله لا اشرب منه قطرة والحسين عطشان، فقال له عمرو: لا سبيل إلى ما أردتم، إنما وضعونا بهذا المكان لنمنعكم من الماء، فلما دنا منه أصحابه قال للرجالة: إملاءوا قربكم، فشدت الرجالة فدخلت الشريعة فملاءوا قربهم ثم خرجوا ونازعهم عمرو بن الحجاج وأصحابه فحمل عليهم العباس بن علي ونافع بن هلال الجملي جميعاً فكشفوه ثم انصرفوا إلى رحالهم وقالوا للرجالة: انصرفوا، فجاء أصحاب الحسين (عليه السلام) بالقرب حتى ادخلوها عليه.(مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهانى، ص٧٨). الطائفة الثالثة: نصَّت على أنَّ الحسين (عليه السلام) استسقى ماءً قُبيل مقتله: ولم أجد في ذلك سوى نصٍّ واحد أورده السيّد ابن طاووس قال: "وروى هلال بن نافع قال: إنِّي كنتُ واقفًا مع أصحاب عمر بن سعد إذ صرخ صارخٌ: أبشرْ أيّها الأمير! فهذا شمرٌ قتل الحسين، قال: فخرجتُ بين الصفّين، فوقفت عليه وإنّه ليجود بنفسِه، فوالله ما رأيتُ قطُّ قتيلًا مضمَّخًا بدمِه أحسن منه، ولا أنور وجهًا، ولقد شغلني نورُ وجهه وجمال هيئته عن الفكرة في قتلِه، فاستسقى في تلك الحال ماءً، فسمعتُ رجلًا يقول: لا تذوقُ الماء، حتّى ترد الحامية، فتشرب من حميمها، فسمعتُه يقول: «يا وَيْلَكَ، أَنَا لا أَرِدُ الْحامِيَةَ، وَلا أَشْرَبُ مِنْ حَميمِها، بَلْ أَرِدُ عَلى جَدّي رَسُولِ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله) وَأَسْكُنُ مَعَهُ في دارِهِ في مَقْعَدِ صِدْق عِنْدَ مَليكٍ مُقْتَدِر، وَأَشْرَبُ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِن، وَأَشْكُو إِلَيْهِ مَا ارْتَكَبْتُمْ مِنّي وَفَعَلْتُمْ بي …»". فلم يثبتْ أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) قد طلبَ من المعسكر الأموي أنْ يسقوه شربةً من ماء، فما يتناقلُه البعضُ من أنَّه (عليه السلام) قد طلبَ من بعض أفراد الجيش الأُموي قُبيل قتله أنْ يسقوه جرعةً من ماء، وأنَّه قد تفتتْ كبدُه من الظمأ، وأنَّه كان يُقسم بحقِّ جدِّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّه عطشان كأنَّه يَستعطفُهم، وكذلك ما يتناقلونَه من بأنَّه (عليه السلام) طلبَ من الشمر أنْ يسقيَه الماء قبل أنْ يقتله ويُذكِّره بحسبِه ونسبِه كأنَّه يَستجديه، هذه النقولات لا أساسَ لها من الصحَّة بل هي لا تَخلو من الإساءة لمقام سيِّد الشهداء (عليه السلام) المعلوم من حاله أنَّه في أعلى درجات الإباء والعزَّة، وفي أعلى درجات الصبر والتجلُّد، وهو أجدرُ مَن على وجه الأرض بتمثُّل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾(التوبة:١٢٠)، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾( المنافقون: ٨). نعم لا محذور في أنْ يطلب الإمامُ الحسين (عليه السلام) الماءَ بنحوٍ لا يتنافى مع مقتضيات العزَّة والكرامة، ولهذا لا مانع من القبول بالنصوص التأريخيَّة التي أفادت أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) طلب الماء بمعنى أنَّه سعى من أجل الوصول إلى الفرات ليشربَ منه، أو غيرها من المعانى التي ذكرت. وهذا النصُّ ليس صريحًا أيضًا في أنَّه استسقى الماء من أعدائه، فالراوي قال: "فاستسقى في تلك الحال ماءً" ولم يذكر من هو المخاطَب بالاستسقاء، فلعلَّه استسقى أحدَ فتيانه الذي كان يرافقه إلى حين مقتلِه، فبعض فتيان الحسين (عليه السلام) لم يُشاركوا في الحرب بل كان بعضهم يُرافقه ويخدمه إلى أنْ قُتل. فهل يجسرُ بعد ذلك من أحدٍ يعرفُ الحسين وشموخَه وأنَفَته وعلوَّ همته وبصيرته وصبره أنْ يُحدِّثَ نفسه أنَّ الحسين (عليه السلام) قد التمسَ من هؤلاء الأجلاف ماءً ليشربه وهو يعلمُ أنَّهم لن يستجيبوا لطلبه بل سيقابلونه بالتهكُّم والمزيد من التشفِّي؟! ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾( النور: ١٦) المصدر: [شيخ محمد صنقور ،حوزة الهدى للدراسات الإسلامية، (بتصرف)]. ودمتم في رعاية الله وحفظه.

1