logo-img
السیاسات و الشروط
( 27 سنة ) - العراق
منذ سنة

يوسف النجار في التراث الإسلامي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحية طيبة، أود ان استفسر عن موقف الاسلام من يوسف النجار؟ وكيف ذُكر في رواياتنا


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أهلاً وسهلاً بكم في تطبيق المجيب ابنتي الكريمة، ذكرت ورقة بحثية في موقع العتبة الحسينية المقدسة موضوع حول يو سف النجار وهو إن كان حول من الذي كفل السيدة مريم، لكن فيه تفاصل مهمة: من الذي تكفّل مريم؟ زكريا أم يوسف النجار؟ لم يرد ذكر يوسف النجار في القرآن، بل ورد أن زكريا (عليه السلام)، زوج أليصابات خالة السيدة مريم (عليها السلام)، هو الذي كفلها، وهو الذي أفرد لها مكاناً في المعبد تتعبد فيه. ولكن الإنجيل يحكي قصة أخرى، يقول فيها بأن يوسف النجار هو الذي كفل السيدة العذراء عن طريق الزعم بأنها خطيبته. لم يُعالج الإنجيل قصة السيدة مريم (عليها السلام) بموضوعية وإنصاف، فلم يذكر لنا خلفياتها وتربيتها، فقد بدأ مباشرة بقوله: “كانت مريم مخطوبة”، وكأنها خرجت لنا من العدم، فلا تاريخ ولا سيرة لها، بل إن سيرتها الشخصية في الإنجيل كانت مجهولة، وحتى النصوص التي تُذكر فهي نصوص مضطربة جداً تكاد لا تُفهم بوضوح. فعلى سبيل المثال، نقرأ في إنجيل متّى: “أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا: لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف، قبل أن يجتمعا، وُجدت حبلى من الروح القدس. فيوسف رجلها، إذ كان باراً، ولم يشأ أن يُشهرها، أراد تخليتها سرّاً” (متّى ١: ١٨-١٩). النص مضطرب جداً حول بداية السيدة مريم العذراء، حيث يقول في بدايته إن يوسف وجدها حبلى من الروح القدس، ولكنه مع ذلك شكّ بها واتهمها بفعل المنكر، وهذا يلوح من خلال قوله: “لم يشأ أن يشهرها، أراد تخليتها سرّاً” (متى ١: ١٩) أي أنه تستّر عليها! هكذا كان نصيب السيدة العذراء من يوسف النجار الذي تزعم الأناجيل أنه كان حاميها وخطيبها. مقارنة بين السرد القرآني والإنجيلي: ولو رجعنا إلى ما يقصّه القرآن لنا من خبر السيدة مريم، لرأينا توقيراً واحتراماً وبدايات طيبة لهذه القديسة الملائكية. فبينما الإنجيل يتكلم بغموض وعدم وعي، ويُبهم لنا طفولة مريم أو ما قبلها، ويبدأ معها في سن السادسة عشرة، نرى القرآن الكريم يُسهب في ذكر ما قبل طفولة مريم، وهذا ما نراه يلوح على لسان أمها: ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ (آل عمران: ٣٥). وبعد ولادتها، رفعت أم مريم يدها للسماء لتطلب من الله أن يحفظها: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ (آل عمران: ٣٦). فاستجاب الله تعالى دعاءها: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ (آل عمران: ٣٧). وبسبب المكانة الاجتماعية لعائلتها، اختصم القوم فيمن يتولى رعايتها، إذ كان والدها عمران وجيهاً في قومه ومعلمهم الأكبر، فقال تعالى: ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ (آل عمران: ٤٤). وهكذا فاز برعايتها زوج خالتها، النبي زكريا (عليه السلام): ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾ (آل عمران: ٣٧). وتابع القرآن الكريم ذكر جوانب من التربية الإلهية لها، فلم تكن تأكل من طعام البشر، بل كان الله تعالى يُنزل عليها من طعام الجنة: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ (آل عمران: ٣٧). ثم يضيف لنا القرآن الكريم بعداً آخر لشخصية مريم، وهو اتصالها بالعالم الآخر: ﴿ فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴾ (مريم: ١٧). وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴾ (آل عمران: ٤٢). نسب السيد المسيح وربطه بداود: يستمر الإنجيل في تقديم يوسف النجار على أنه والد المسيح الظاهري، حيث نقرأ: “ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة، وهو على ما كان يُظن ابن يوسف” (لوقا ٣: ٢٣). ولكن إذا كان عيسى – على ما يُظن – ابن يوسف النجار، فلماذا ثار هذا اللغط بين معاصريه حول ولادته واتهام أمه بالزنا؟ يقول الإنجيل: “كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم” (متّى ١: ١). وقال أيضاً: “المسيح ابن داود” (متّى ٢٢: ٤٢). ولكن الغريب أن السيد المسيح رفض رفضاً قاطعاً أن ينسبوه إلى داود عن طريق يوسف النجار، وهذا ما نراه في محاورته مع اليهود: “وفيما كان الفريسيون مجتمعين، سألهم يسوع قائلاً: ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟ قالوا له: ابن داود. قال لهم: فكيف يدعوه داود بالروح ربّاً، قائلاً: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإن كان داود يدعوه ربّاً، فكيف يكون ابنه؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة” (متّى ٢٢: ٤١-٤٦). تناقض الأناجيل حول كفالة مريم: يتفق الإنجيل والقرآن في بعض الأمور المتعلقة برعاية وكفالة مريم، ولكن الإنجيل يتميز بعدم الوضوح وبتناقض عجيب، فهو بعدما زعم أن يوسف هو من كفل مريم، لم يُبيّن كيف أصبح يوسف كفيلاً لها، مما دفع الكهنة إلى اختلاق أسطورة وهمية لتغطية هذه الثغرة. (العتبة الحسينية المقدسة، بتصرف) دمتم في رعاية الله

1