التركيز على حديث واحد في الحياة الروحية والتطبيق العملي
السلام عليكم..
اريد شرح وافي لمعاني هذا الحديث لكي يكون موضع عملنا ان شاء الله (اعينوني بورع واجتهاد وعفه وسداد) وهل يمكن أن اجعله القاعدة الوحيدة في حياتي التي استند عليها واصب كل تركيزي واهتمامي عليه ام يجب أن أضيف أحاديث أخرى عليه؟... لأني لا أريد أن أكون مشتتاً..
نسأل الله المغني القبول منا ومنكم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أهلاً بكم في تطبيقكم المجيب
ولدي العزيز، ننقل لجانبكم الكريم، نص الخطبة مع شرحها، جاء في كتاب (شرح نهج البلاغة)، لابن أبي الحديد، جزء (١٦)، صفحة (٢٠٥ - ٢٠٧)، ما هو نصه:
((ومن كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري- كان عامله على البصرة وقد بلغه أنه دعى إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها- قوله:
أما بعد يا بن حنيف، فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها، تستطاب لك الألوان، وتنقل إليك الجفان. وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو، وغنيهم مدعو. فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجهه فنل منه.
ألا وإن لكل مأموم إماما يقتدى به، ويستضئ بنور علمه، ألا وأن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمرية، ومن طعمه بقرصيه. ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد، فوالله (1) ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا ادخرت من غنائمها وفرا، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا، ولا حزت من أرضها شبرا، ولا أخذت منه إلا كقوت أتان دبرة، ولهي في عيني أوهى من عفصة مقرة.
الشرح:
(عثمان بن حنيف ونسبه) هو عثمان بن حنيف- بضم الحاء- بن واهب بن العكم بن ثعلبة بن الحارث الأنصاري ثم الأوسي أخو سهل بن حنيف، يكنى أبا عمرو - وقيل: أبا عبد الله - عمل لعمر ثم لعلى ع، وولاه عمر مساحة الأرض وجبايتها بالعراق، وضرب الخراج والجزية على أهلها وولاه علي عليه السلام على البصرة، فأخرجه طلحة والزبير منها حين قدماها، وسكن عثمان الكوفة بعد وفاة علي عليه السلام، ومات بها في زمن معاوية.
قوله: (من فتية البصرة):
أي من فتيانها، أي من شبابها أو من أسخيائها، يقال للسخي: هذا فتى، والجمع فتية وفتيان وفتو، ويروى: (أن رجلا من قطان البصرة)، أي سكانها.
والمأدبة، بضم الدال: الطعام يدعى إليه القوم، وقد جاءت بفتح الدال أيضا، يقال، أدب فلان القوم يأدبهم بالكسر، أي دعاهم إلى طعامه، والأدب: الداعي إليه قال طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى * لا ترى الأدب فينا ينتقر .
ويقال أيضا: أدبهم إلى طعامه يؤدبهم إيدابا، ويروى: (وكثرت عليك الجفان فكرعت وأكلت أكل ذئب نهم، أو ضبع قرم).
وروى: (وما حسبتك تأكل طعام قوم).
ثم ذم أهل البصرة فقال: (عائلهم مجفو، وغنيهم مدعو)، والعائل: الفقير، وهذا كقول الشاعر:
فإن ملق فأنت لنا عدو * فإن تثر فأنت لنا صديق.
ثم أمره بأن يترك ما فيه شبهة إلى ما لا شبهة فيه، وسمى ذلك قضما ومقضما وإن كان مما لا يقضم لاحتقاره له، وازدرائه إياه، وأنه عنده ليس مما يستحق أن يسمى بأسماء المرغوب فيه، المتنافس عليه، وذلك لان القضم يطلق على معنيين: أحدهما على أكل الشئ اليابس، والثاني على ما يؤكل ببعض الفم، وكلاهما يدلان على أن ذلك المقضم المرغوب عنه، لا فيه.
ثم ذكر ع حال نفسه فقال: (إن إمامكم قد قنع من الدنيا بطمريه)، والطمر الثوب الخلق البالي، وإنما جعلهما اثنين لأنهما إزار ورداء لا بد منهما، أي للجسد والرأس.
قال: (ومن طعمه بقرصيه))، أي قرصان يفطر عليهما لا ثالث لهما. وروى:
(قد اكتفى من الدنيا بطمريه، وسد فورة جوعه بقرصيه، لا يطعم الفلذة في حوليه إلا في يوم أضحيه).
ثم قال: إنكم لن تقدروا على ما أقدر عليه، ولكني أسألكم أن تعينوني بالورع والاجتهاد.
ثم أقسم أنه ما كنز ذهبا، ولا أدخر مالا، ولا أعد ثوبا باليا سملا لبالي ثوبيه، فضلا عن أن يعد ثوبا قشيبا كما يفعله الناس في إعداد ثوب جديد ليلبسوه عوض الأسمال التي ينزعونها، ولا حاز من أرضها شبرا، والضمير في (أرضها) يرجع إلى (دنياكم)، ولا أخذ منها إلا كقوت أتان دبرة، وهي التي عقر ظهرها فقل أكلها.
ثم قال: (ولهي في عيني أهون من عفصة مقرة)، أي مرة، مقر الشئ بالكسر أي صار مرا، وأمقره بالهمز أيضا قال لبيد:
ممقر مر على أعدائه * وعلى الأدنين حلو كالعسل)).