السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أريد تفصيل حول الحدود الشرعية وخصوصا قتل الكافر ، وما هو الفرق بين داعش وبين الشيعة إذا كان الحدود الشرعية هي نفسها تقريبا.
دامت بركاتكم ودمتم في رعاية الله.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
حياكم الله وتقبل أعمالكم بأحسن القبول
في الواقع الفرق شاسع بين منظومة الحدود في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وبين تلك الجرائم التي كانَ ذلك التنظيم الإرهابي يفعلها.
فالحدود الشرعية في الإسلام ليست مجردَ عقوبات، بل هي تشريعات إلهية تهدف إلى حفظ النظام العام وحماية المجتمع من الجرائم التي تهدد أمنه واستقراره.
فمن خلال معاقبة القاتل بحدِ القتل تحفظُ النفس، حتى لا يصبح القتل أمراً سهلاً منتشراً بين الناس.
ومن خلالِ فرض الحد على الزنا والقذف تُحفَظُ الأعراض، مما يساهم في منع الفساد الأخلاقي.
وبتشريعِ حدٍ للسرقة تُحفَظُ الأموال، حتى لا يعتدي أحد على أموال غيره.
وبهذا يتضح أنّ الحدود ليست عبارة عن عملية انتقامية، بل هي عقوبات تابعة لقوانين تساهم في حفظ المجتمع من الانحراف، قال تعالى:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 179).
أي أنّ العقوبة الصارمة تردع الآخرين عن الجريمة، فيكون فيها حياة للمجتمع.
أما في مقام تطبيق هذه الحدود فإنّ الفقه الشيعي يعمَلُ وفقَ ضوابط صارمة جداً، وأهم هذه الضوابط:
أولاً: ضرورة وجود الإمام المعصوم أو نائبه الشرعي، فإقامة الحدود ليست متروكة لأي شخص، بل هي بيد الإمام المعصوم (عليه السلام) أو الفقيه العادل في زمن الغيبة، فلا يجوز تنفيذ الحدود إلا بإذن واضح من الحاكم الشرعي العادل، وهذا ما يميز الفقه الشيعي عن الفقه التكفيري الذي يترك أمرَ تنفيذ هذا الحد في يدِّ أشخاص غير مؤهلين لتشخيص الحكم الصحيح.
ثانياً: لتنفيذ الحدود شروطٌ صارمة، ففي الزنا لا يقامُ الحدُّ إلا بشهادة أربعة شهود عدول رأوا الفعل مباشرة بكامل تفاصيله بحيث لا يبقى أيُّ مجال للشك في إشتباههم في الرؤية، أو باعتراف المتهم أربع مرات دون إكراه.
ولا تقطع يد السارق إن كانَ غير بالغٍ أو كانَ مجنوناً أو كانَ سارقاً بسبب المجاعة.
وهكذا في سائر الحدود هناكَ ضوابط وشروط شديدة حتى يثبت الحد.
يضاف إلى ما تقدم أنّ الأصل في الإسلام المحمدي الأصيل الذي يحمله أتباعُ أهل البيت (ع) هو الرحمة وليس التعذيب والتشفي بالناس، وفيما يلي ننقلُ بعض الأحاديث التي تُفيد أنّ أهل البيت (عليهم السلام) كانوا يدرؤون الحدود ويتركونها لوجود أدنى شبهة، بمعنى أنّ الحدود لا تنفَّذ إلا إذا ثبتت الجريمة بشكل قطعي، وأيُّ شبهة تمنع تطبيقها، ومن تلك الروايات:
1- (" عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام) أن رجلا استعدى عليا (عليه السلام) على رجل فقال: إنه افترى علي، فقال علي (عليه السلام) للرجل:
أفعلت ما فعلت؟ قال: لا، ثم قال للمستعدي: ألك بينة؟ فقال: ما لي بينة فاحلفه لي، فقال علي (عليه السلام): ما عليه يمين. ")
المصدر: وسائل الشيعة (آل البيت)،الحر العاملي، الجزء ٢٧، الصفحة ٢٩٩
2- (" عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) ، أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) اُتي برجل أصاب حدا وبه قروح ومرض وأشباه ذلك ، فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أخروه حتى تبرأ ، لا تنكأ قروحه عليه فيموت ، ولكن إذا برأ حددناه . ")
المصدر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، الجزء 28، الصفحة 30.
3- (" عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) قال : لو أن رجلا دخل في الاسلام وأقر به ، ثم شرب الخمر وزنى وأكل الربا ، ولم يتبين له شيء من الحلال والحرام ، لم اقم عليه الحد إذا كان جاهلاً ، إلا أن تقوم عليه البينة أنه قرأ السورة التي فيها الزنا والخمر وأكل الربا ، وإذا جهل ذلك أعلمته وأخبرته ، فان ركبه بعد ذلك جلدته وأقمت عليه الحد . ")
المصدر: وسائل الشيعة، الحر العاملي، الجزء 28، الصفحة 32.
وغير ذلك الكثير من الروايات التي تؤكد أنّه لطالما هناكَ ما يمكن أن يكونَ دافعاً للحد فهو يقدمُ على الحد، وهذا يعكس أنّ المبدأ في هذا الإسلام الأصيل هو الرحمة لا الدماء والتعذيب.
وهذا بخلاف الإجرام الداعشي في تطبيق الحدود، الذي يبتني على مباني لا تمت للإسلام بصلة، فهذا التنظيم تنظيمٌ تكفيريٌّ منحرف يستخدم الحدود كوسيلة لإرهاب الناس وليس لتحقيق العدالة، ولهذا تجدهم يطبقونَ الحدود بلا قضاء شرعي وبلا ضوابط شرعية، فأسرفوا في دماء المسلمين قبل غيرهم، ليشكِّلُوا بذلك وصمة عارٍ على كُل مَن نَظَّرَ أو دافعَ أو حاولَ تبييض صورة هذا التنظيم المجرم، الذي لم يدانيه بالإجرام في المسلمين إلا الطغاة والجبابرة .
وفقكم الله لكل خير
ودمتم في رعاية الله