حول موت النبي سليمان ع لم يعرف احد بوفاتة عليه السلام الا بعد ان اكلت دابة الارض منسأته {فَلَمَّا قَضَيۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَوۡتَ مَا دَلَّهُمۡ عَلَىٰ مَوۡتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلۡأَرۡضِ تَأۡكُلُ مِنسَأَتَهُۥۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلۡجِنُّ أَن لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٱلۡغَيۡبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ (١٤)} سوالي اين اصاحبه الخاصين لماذا لم يأتِ احد لزيارة نبيهم او ملكهم واخص بذلك وصيه او خدمته او خلص اصحابه او ابناءه فمثله عليه وعلى نبينا واله افضل السلام كان ملكا ونبيا
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أهلاً وسهلاً بكم في تطبيق المجيب
أخي الكريم، للجواب على هذا السؤال، نذكر لك مقالة للشيخ صنقور (حفظه الله تعالى) حول كيف أخفى الله تعالى موت سليمان (عليه السلام):
قال تعالى في شأنِ سليمان (عليه السلام): ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾(١).
أورد بعضُهم على ما أفادته الآية من خفاء موت سليمان (عليه السلام) مدةَ سنةٍ كاملة أو ما يقربُ من هذه المدَّة أنَّه غيرُ معقول، فلو سلَّمنا بـأنَّ سليمان ظلَّ قائماً بعد موته كلَّ هذه المدَّة، لكنَّ خفاء موته كلَّ ذلك الوقت عن حاشيته ووزرائه وأزواجه وأبنائه وخدمه غيرُ معقول! ألم يلتفت خدمُه إلى عدم تناوله للطعام والشراب؟! ألم يُراجعه وزراؤه في تدبير شؤون الدولة؟! ألم تُحادثه إحدى زوجاته اليوم واليومين فلا تجدُ منه جواباً ولا حراكاً؟! كيف لم يثر وقوفُه في موضعه ليلَ نهار دون حركةٍ تساؤلهم ولم يدفعهم ذلك للتثبُّت من واقع حاله؟!
الجواب:
ليس في الآيةِ ولا في غيرها من آياتِ القرآن ما يقتضي استظهار أنَّ موت سليمان (عليه السلام) كان قد خفيَ على كلِّ مَن كان حوله من وزرائه وحاشيته وأبنائه وزوجاته، بل إنَّ ظاهر الآية المباركة أنَّ موته كان قد خفيَ على مَن كان يعملُ عنده من الجنِّ، ولعلَّه قد خفيَ عمَّن كان يعملُ عنده من الإنس وخفيَ كذلك عن رعيته، وأما المقرَّبون منه، فلم تتصدَّ الآيةُ لبيان ما إذا كانوا قد علموا بموته أم لا.
فالآيتان السابقتان لهذه الآية تصدَّتا لبيان أنَّ الله تعالى قد سلَّط سليمان (عليه السلام) على الجنّ، فكانوا يعملون بين يديه بإذن ربِّه، وكلُّ مَن يتمرَّد منهم على أوامره يكون جزاؤه العذاب.
فكانوا يعملون له ما يشاء من محاريب، فهم مَن كانوا يُشيِّدون له ولرعيته دور العبادة، وفيهم مَن يصنع له التماثيل والجفان العملاقة التي شبَّهتها الآية بالْجَواب، وهي الأحواض الكبيرة، فكانت الجِفان - وهي صحائف الطعام التي يتمُّ تصنيعها لسليمان (عليه السلام) من القِطر المُذاب - بحجم الأحواض الكبيرة، يتناول فيها - ظاهراً - جيوشُه الطعام.
ومن الجنِّ من يصنعُ له القدور الراسيات، فهي قدورٌ ثابتة لعظَمِ حجمها، قال تعالى:
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾(٢).
بعد هاتين الآيتين، قال تعالى:
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾(٣).
فالذين نفت عنهم الآية العلم بموت سليمان (عليه السلام) هم الجنُّ الذين كانوا يعملون بين يديه كلَّ تلك الأعمال الشاقَّة، ويخشون إنْ تمرَّدوا الوقوع في العذاب، لذلك شعروا بالانفراج حين علموا بموته بعد أن خرَّ على وجهه، وأسِفوا أنَّهم ظلَّوا يتكبَّدون قساوة العمل المُناطِ بهم من قِبَلِه رغم أنَّه كان ميِّتاً منذُ أمد.
إذن، فأقصى ما يقتضيه ظهورُ الآية المباركة هو أنَّ الذين خفيَ عليهم موتُ سليمان (عليه السلام) هم الجن الذين كانوا يعملون عنده، وليس في الآية ما يقتضي استظهار خفاء موته عن مثل حاشيته ووزرائه.
ويُؤيِّد ذلك ما ورد في الروايات، منها ما رُوي عن ابن عباس عن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله): «إنَّ سليمان (عليه السلام) لما علم بقرب أجله، قال: اللهم غمَّ على الجنِّ موتي حتى يعلم الإنس أنَّ الجن لا تعلمُ الغيب»(٤).
وفي رواية أخرى: «فقال: اللهم عمِّ على الجن موتي، ليعلم الإنس أنَّهم لا يعلمون الغيب. وكان قد بقي من بنائه سنة، وقال لأهله: لا تخبروا الجنَّ بموتي حتى يفرغوا من بنائه. ودخل محرابه، وقام متكئاً على عصاه، فمات، وبقي قائماً سنة، وتمَّ البناء»(٥).
ورُويَ عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «كان آصف يُدبِّر أمره حتى دبَّت الأَرَضَة»(٦).
إذن، فالروايات الواردة عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) تُؤيِّد أنَّ الآية ليست ظاهرةً في أنَّ موت سليمان (عليه السلام) كان قد خفيَ حتى على المقرَّبين منه، بل أفادت الروايات أنَّ سليمان (عليه السلام) هو مَن أوصى بإخفاء خبر موته عن الجن، وكان من غرضه أنْ يُنجزوا البناء الذي كلَّفهم بتشييده.
(الشيخ محمد صنقور).
ودمتم موفقين.
______________________________________
(١) سورة سبأ: ١٤.
(٢) سورة سبأ: ١٢-١٣.
(٣) سورة سبأ: ١٤.
(٤) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج١٤، ص١٤٢، المستدرك، الحاكم النيسابوري، ج٤، ص١٩٨.
(٥) تفسير مجمع البيان، الشيخ الطبرسي، ج٨، ص٢٠٥، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير الطبري، ج٢٢، ص٩١.
(٦) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج١٤، ص١٤٢.
(٧) تفسير نور الثقلين، الشيخ الحويزي، ج٤، ص٣٢٥.