وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
قد سلك الإمامية في إثبات عقائدهم مسالك متعددة بين عقلية ونقلية وعقلائية حتى صح القول بأنّهم المذهب الإسلامي الوحيد الذي بإمكانه إثبات الأساسات العقدية التي يبتني عليها من مصادر المذاهب الأخرى فضلاً عن مصادره الخاصة، وأنا هنا ذاكر لكم أربعة أدلّة نصفها من القرآن الكريم وتتمَّتها من السنّة المتواترة عند عامّة المسلمين اخترتها من بين مئات الأدلة .
الدليل الأوّل: آية التطهير
قال تعالى: " إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ". إذ تواتر من طرق الفريقين أنّها نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وممّا جاء في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر اسود فجاء الحسن بن علي فادخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء على فادخله ثم قال: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ".
ولا يدخل في عنوان " أهل البيت " أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) ولا أي شخصٍ آخر لم يُدخله النبي فيه ويدلّ على ذلك أيضاً ما رواه أحمد في مسنده من امتناع النبي (صلى الله عليه وآله) عن إدخال أمّ سلمة مع الخمسة المذكورين مما يعني أنّ مصطلح " أهل البيت " هنا شرعي وليس لغويا وذلك نظير مصطلح " الصلاة " حيث نقله الشارع المقدس من معناه اللغوي إلى معنى خاص ضبط حدوده بالنص عليها.
وأنت لو نقّبت في مرجعيات جميع المذاهب الإسلامية لن تجدي فيهم من يتلقى قرآن ربه وسنّة نبيه من مرجعية شهد الله تعالى لها بالعصمة والنزاهة غير مذهب الإمامية، بل ستجدين في فقه سائر المذاهب وعقائدهم ما يتعارض تماماً مع ما هو معلوم بالضرورة والتواتر من فقه وعقائد أهل البيت عليهم السلام كما في إباحتهم لإتمام الصلاة في السفر وقولهم بالتجسيم على سبيل المثال لا الحصر بل أسوء من ذلك أنّكِ ستجدين من علمائهم من يتحامَل على أهل البيت ويبخسهم حقهم.
وما من شكٍّ في أنّ حقانيّة مَذهبٍ شهد الله تعالى لمرجعيته بالعصمة لا يمكن معارضتها بأي وجه بدعوى حقانية أي مذهب آخر لا يملك هذه السمة.
الدليل الثاني: آية الولاية
قال تعالى : " إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ". وقد نقل القوشجي من أبناء العامّة وكذلك عضد الدين الإيجي إجماع أئمة التفسير على أنها نزلت في حقّ الإمام علي (عليه السلام) ولم يرتكبا شططاً في دعواهما وإن ارتكباه في صرف معناها إلى النصرة والمحبة لأنّ الولاية في هذا السياق حيث قُرنت بولاية الله ورسوله وجاءت في سياق أداة الحصر (إنما) لا يمكن أن تكون إلا بمعنى (الأولى) لأن ولاية الله على الناس لا تعني المحبة وإنما تعني أنه أولى بهم وقد عُطفت عليها ولاية النبي وولاية علي (صلوات الله عليهما وآلهما) والعطف يدلّ على المشاركة في الحكم ، وكذلك لو كانت تعني النصرة والمحبة لما صح استعمال الأداة (إنما) لأنّهما غير مختصتين بمن يؤتي الزكاة وهو راكع بل عامتين لجميع المؤمنين.
وعوداً على بدء قد أكّد نزول هذه الآية في الإمام علي (عليه السلام) الحسكاني في شواهد التنزيل والزمخشري في الكشاف والفخر الرازي في التفسير الكبير وغيرهم من أئمة التفسير عند أبناء العامّة.
ولا يخفى عليكِ وجه الاستدلال بهذه الآية لإثبات حقانيّة المذهب الشيعي وذلك من جهة أنّه إذا ثبت النص على إمامة الامام علي (عليه السلام) ثبتت حقانية مذهب الشيعة وبطلان ما عداه بالضرورة وليس ثمة مسلك وسط بينهما.
الدليل الثالث: حديث الثقلين
إنّ الأحاديث الداعية إلى لزوم التمسك بأهل البيت والرجوع لهم في تلقي الدين كثيرة متواترة في كتب جميع المذاهب الاسلامية ومنها حديث الثقلين الذي رواه الفريقان بطرق صحيحة منها ما أخرجه مسلم في صحيحه من أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " ألا أيها الناس فإنما انا بشر يوشك ان يأتي رسول ربى فأجيب وانا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى و النور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي".
وكذلك أخرجه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك بلفظ: " كأني دُعِيتُ فأجبـتُ، إني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله وعترتي، فانظروا كيف تخلِّفوني فيهما، فإنهما لن يتفرَّقا حتى يرِدا عليَّ الحوض".
ويبدو أنّ هذا المضمون قد صدر عن النبي (صلى الله عليه وآله) في مواطن كثيرة حتّى كثُرَت عباراته في كتب الفريقين وجاء متواتراً في مضمونه.
وهذه كتب المذاهب الاسلامية من غير الشيعة ببابك وأنا أدعوكِ للنظر فيها بتمعّن لتري كم استندوا إلى أهل البيت في فقههم وكم رجعوا إليهم في عقيدتهم وتفاسيرهم؟! اطمئِنَّ أنَّكِ لن تجدي شيئا يستحق الذكر بل ستجدين فيهم من هو على خلاف ذلك تماماً ستجدين فيهم من يتهم أهل البيت بالابتداع ويتحامل عليهم بالسوء!!
لن تجدي في المذاهب الاسلامية من يرجع إلى القرآن وأهل البيت في عقيدته وتفسيره وفقهه غير مذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية ومن هنا يكون حديث الثقلين دليلاً قطعيا على حقانيّة هذا المذهب وبطلان ما سواه.
الدليل الرابع: حديث الغدير
من جملة ما جاء في خطبة الغدير قوله (صلى الله عليه وآله): " من كنتُ مولاه فهذا علي مولاه " وهو حديث متواتر عند الفريقين وقد صححه أكابر أعلام أهل السنة والجماعة فممن صرّح منهم بصحته الترمذي في سننه والحاكم في المستدرك والهيثمي في مجمع الزوائد وابن حجر في فتح الباري وغيرهم كثير.
ووجه الاستدلال به على حقانية المذهب الإمامي هو أنّه صريح في النص على إمامة ومرجعية الإمام علي (عليه السلام) ولن تجد من بنى مذهبه بالكامل على مرجعية الإمام علي (عليه السلام) وإمامته غير المذهب الشيعي.
ولا يُقال أنّ الولاية مشترك لفظي يراد به المحبة والنصرة لأنّه مدفوع بقرائن كثيرة:
منها: أنه قد جاء هذا النص في كثير من أسانيده التي صححها مَن سبق ذكرهم من الأعلام في سياق قوله (صلى الله عليه وآله): "أيها الناس، ألستُ أولى بكم من أنفسكم.." ثم عطف عليه قوله " من كنت مولاه فعلي مولاه " وهذه قرينة لفظية متصلة تدل على أن المراد بالمولى في الحديث هو الأولى وليس الناصر او المحب.
ومنها: أنّه من غير المقبول من الناحية العقلائية أن يحبس النبي (صلى الله عليه وآله) أصحابه وتلك الجموع الغفيرة من الناس في حر الهجير وقد أهلكتهم متاعب السفر ثمّ يأمر بإرجاع من تقدَّم منهم وانتظار من تأخر وينصب منبرا ليرتقيه ثم يحدِّثهم عن حب علي عليه السلام ونصرته بما لا يختلف فيه عن غيره من سائر المؤمنين فهذه قرينة حالية تمنع ما تأوّله أهل السنة والجماعة في هذا الحديث.
وثمة قرائن أخرى تدلّ على المطلوب أيضا أتركها اختصاراً.
هذا تمام الأدلة الأربعة التي اخترتها ولا يخفى عليكِ أنّ حديث الثقلين من سنخ آية التطهير وأما حديث الغدير فمن سنخ آية الولاية وقد اخترتُ هذا الترتيب للتنبيه على أنه كما أنّ مرجعية أهل البيت ثابتة بالقرآن والسنّة المتواترة كذلك النص على الإمامة الخاصة للإمام علي عليه السلام هي الأخرى ثابتة بالقرآن والسنة المتواترة.