السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السؤال هو:
لماذا الله سبحانه وتعالى
دائمًا يذكر الرجال قبل النساء في الايات القرآنية مثل (المؤمنين والمؤمنات، المسلمين والمسلمات، الخاشعين والخاشعات، الكافرين والكافرات.. الخ)
هل هناك حكمة من ذلك؟
لان كل ما ذكره الله سبحانه في القرآن
يحتوي على حكمة في الظاهر والباطن؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
حياكِ الله إبنتي الكريمة وتقبل أعمالكِ بأحسنِ القبول
في الواقع سؤال جيد، ويدل على إنسانةٍ مؤمنةٍ تَتَأمَلُ وتتدبرَ في كتابِ الله تعالى، وهذا من أفضَلِ العبادات عند الله تعالى.
وبالعودةِ لسؤالكِ إبنتي الكريمة والذي كان ( لماذا يقدمُ اللهُ تعالى الرَجُلَ على المرأة في الخطاب القرآني ؟) فقبلَ الجواب عليه لا بُدَّ من توضيحِ فكرةٍ و هيّ:
إنّنا لو إلتفتنا إلى خطاباتٍ القرآن الكريم وتأملنا جيداً فيها فسنجد أنّ الخطابات القرآنية الموجهة للناس على ثلاثة أقسام :
1. خطابٌ مختصٌ بالرجال، وذلك كما في قوله تعالى: { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (4)}(سورة النساء)، وقوله تعالى: { وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22)}(سورة النساء)
2. خطابٌ مختصٌ بالنساء، وذلك كما في قوله تعالى: { "وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ "(31)} ( سورة النور).
وكما في قوله تعالى: { "وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ" (33)} (سورة الأحزاب).
3. خطابٌ موجهٌ للرجال والنساء على حدِّ السواء، وذلك كما في قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)}(سورة الحشر).
فإذا إتضح لديكم ما تقدم فنقول:
عنداللهِ عزّوجل لافرق بين الرجلِ والمرأة إلا في التقوى، فمَن كانَ أعلى إيماناً كانَ أعلى درجةً عند الله تعالى، وهذا صريحٌ في القرآن الكريم، قال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) }(سورة الحجرات)
وهذا أمرٌّ واضحٌ عندَ أيِّ إنسانٍ مؤمن تتبع قواعدَ الدين، واطلعَ على أحاديث النبي والوصيين.
ولكن يمكن أن يقال: إنّ الله عزَّ وجل لما أنزَل القرآن الكريم بلغة العرب، واللغة العربية بطبيعتها تتعامل مع التذكير على أنّه أصلٌ والتأنيث هو فرع، فجاءَ القرآنُ جارياً على ذلك في المواضع التي ينبغي فيها تقديمُ ذِكرِ أحدهما، فَقَدَّمَ القرآنُ التذكير على التأنيث لهذه النكتة.
ويشهدُ لهذا ما ذكره علماءُ اللغةِ وفطاحلُ البلاغة، حيث ذكروا أنّه في اللغة العربية هناكَ أصلٌ وهناكَ فرع، فالنكرةُ أصلٌ والمعرفةُ فرع، والتذكيرُ أصلٌ ، والتأنيثُ فرع.
قال العلامةُ في اللغة سيبويه في كتابه المعروف بـ (الكتاب) :
(" وإنمَّا كان المؤنث بهذه المنزلة ولم يكن كالمذكر لأن الأشياء كلَّها أصلها التذكير ثم تختصَّ بعد، فكل مؤنث شيءٌ، والشيء يذكَّر، فالتذكير أول، وهو أشد تمكناً، كما أنَّ النكرة هي أشد تمكناً من المعرفة، لأنَّ الأشياء إنمَّا تكون نكرةً ثم تعرف فالتذكير قبل، وهو أشد تمكناً عندهم. فالأول هو أشد تمكناً عندهم. ")
المصدر: كتاب الكتاب لسيبويه، الجزء الثالث، الصفحة 241.
هذا ما يمكن ذكره جواباً عن داعي تقديم ذكرِ التذكير على التأنيث في بعضِ خطابات القرآن الكريم.
وبعد المقدمة التي ذكرناها في خدمتكم من أنّ الله عزّوجل جعلَ لكل جنسٍ خطاباً خاصاً، بل وجعلَ المدارَ والقانون في تعيين الأفضلية على التقوى فلا يبقى هناكَ مُشِكٌلٌ في المقام.
وفقكِ الله لكل خير
ودمتِ في رعاية الله