السلام عليكم،
سؤالي حول نسيان موسى عليه السلام الحوت(فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً) هل هذا النسيان يضر بالنبوة؟ وجدت هذا في الامثل:
إنّه لا يوجد ثمّة مانع من الإصابة بالنسيان في المسائل و الموارد التي لا ترتبط بالأحكام الإلهية و الأمور التبليغية، أي في مسائل الحياة العادية.
والميزان:
أما مطلق إيذاء الشيطان فيما لا يرجع إلی معصية فلا دليل يمنعه.وايضا هل هو يشبه النسيان الذي روي في كتب السنة الذي بدر عن رسول الله(ص) في صلاته؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
عزيزي موسى ... المزید حياكَ الله وتقبل أعمالكَ بأحسن القبول
في الواقع إنّ سؤالكَ يحتوي على شقين، سنذكر كل شقٍ منهما على حدة ونجيب عليهما حتى يكونَ الجواب أوضح، فنقولُ مستعينينَ بالله تعالى :
أولًا: هل نسيان موسى (عليه السلام) للحوت يضر بالنبوة؟
عند التأمل في الآية الشريفة: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبا ﴾ (الكهف: 61)، نجد أنّ ظاهرها يشير إلى نسيان موسى (عليه السلام) ويوشع بن نون للحوت.
ولكن يجب أن ننتبه إلى أنَّ النسيان لا يمكن أن يُنسب إلى أي نبيٍّ من أنبياء الله تعالى في مذهبنا مذهب الشيعية الإمامية الإثني عشرية، وذلك لأنّ الأنبياءَ معصومونَ عن السهو والنسيان في جميع أحوالهم، سواء في التبليغ أو في الأمور العادية، لأنهم القدوة الكاملة للبشر، ولا يمكن للقدوة أن تخطئ سواء في أمور الرسالة أو أمور الحياة اليومية، وإلا لفقدت القدوة معناها ولم يكن في بعثة الأنبياء فائدة.
ولهذا يحتملُ في الآية عدة احتمالات:
الأول: أن يكونَ النسيانُ في الآية لا يعود إلى موسى (عليه السلام) بل إلى يوشع بن نون وحده، وأنّ ذِكرَ موسى (عليه السلام) جاء من باب التغليب أو الإضافة المجازية، كما هو شائع في اللغة العربية، فيقال (جاء زيدٌ وبكرُ) ثم يقال ( لقد تركا الهدية)، مع أنّ الهدية يحملها شخصٌ واحد، فإذا أول أحدهما للآخر مهمة حمل الهدية، والآخر تركَ الهدية، فيقالُ لهما ( تَرَكا الهدية ) مع أنّ التركَ واقعاً صدرَ من واحد، وهذا الأسلوب يقال له في اللغة التغليب. فيكون المقصود بـ "نسيَا" هو يوشع وحده، ولكنه نُسب إلى الاثنين لكونهما معاً في الرحلة.
الثاني: أن يكون النسيان في الآية الشريفة بمعنى (الترك) ، أو قل (ترك الامر المعهود)، فيكون المعنى ( فلما بلغا مجمعَ بينهما تركا حوتهما ). وأن يأتي النسيان بمعنى الترك أمرٌّ ليسَ بغريب، فقد ورَدَ في القرآن الكريم في عدة مواضع، منها:
١- قوله تعالى : { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. التوبة: ٦٧.
٢- قوله تعالى: { فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ. الأعراف: ٥١
فهنا نلاحظ أنّ النسيان منسوبٌ لله تعالى، فهل يُعقَل أن نحمِلَ النسيان على معناه الظاهري؟ الجواب لا بكل تأكيد ، وذلك لقيام الدليل العقلي القطعي اليقيني على أنّ الله تعالى لا يصدرُ منه النسيان .
كذلك في مقامنا نقول إنّ النسيان في الآية محمول على الترك، ولا يمكن حمله على المعنى الظاهري للنسيان لقيام الدليل العقلي القطعي واليقيني على أنّ الأنبياء لا يصدرُ منهم النسيان أو السهو أو الخطأ. وعليه، فإنّ هذه الآية لا تتعارض مع عقيدتنا بعصمةِ الانبياء، لأنَّ النسيانَ المذكور فيها لا يعني الذهول أو الغفلة، بل قد يكون بمعنى التغليب أو الترك المقصود.
ثانيًا: هل يشبه هذا النسيان ما ورد في كتب السنة عن نسيان النبي (صلى الله عليه وآله) في صلاته؟
في كتب السنة، هناك روايات تذكر أن النبي (صلى الله عليه وآله) نسي في الصلاة وسجد سجود السهو، لكن هذه الروايات مرفوضة في العقيدة الشيعية لأنها تتنافى مع العصمة المطلقة للنبي، فكيف ينسى النبي في الصلاة وهو الذي جاء ليعلّم الناس كيفية أداء العبادات؟
ومن تلك الروايات التي رووها في هذا المقام:
١- (" حدثني عمرو الناقد وزهير بن حرب جميعا عن ابن عيينة قال عمرو حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا أيوب قال سمعت محمد بن سيرين يقول سمعت أبا هريرة يقول صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر فسلم في ركعتين ثم أتى جذعا في قبلة المسجد فاستند إليها مغضبا وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يتكلما وخرج سرعان الناس قصرت الصلاة فقام ذو اليدين فقال يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت فنظر النبي صلى الله عليه وسلم يمينا وشمالا فقال ما يقول ذو اليدين قالوا صدق لم تصل إلا ركعتين فصلى ركعتين وسلم ثم كبر ثم سجد ثم كبر فرفع ثم كبر وسجد ثم كبر ورفع " (1)
٢- (" حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا فقيل له أزيد في الصلاة فقال وما ذاك قال صليت خمسافسجد سجدتين بعد ما سلم " (2)
نرجو أن يكون هذا المقدار كافٍ في جواب ما سألت عنه، فإذا بقي شيءٌ فيه غموض فلا تترد في مراسلتنا مع الإشارة إلى موضِع توقفكم حتى نكونَ في خدمتكم بالإجابة.
ودمتم في رعاية الله
____________________
(1) شرح النووي على صحيح مسلم، الجزء 5، الصفحة 225.
(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، الجزء 3، الصفحة:113.