ما تفسير هذه الاية حسب مفسرين الشيعة و ما الفرق بين تفسيرهم و تفسير السنة.
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )
سورة البقرة اية ١٨٩ جزء ٢
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مرحباً بكم في تطبيقكم المجيب
جاء في تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي، ج٢، ص(٥٥-٥٦):
قوله تعالى: ﴿يسئلونك﴾ إلى قوله: ﴿والحج﴾ الأهلة جمع هلال ويسمى القمر هلالاً أول الشهر القمري إذا خرج من تحت شعاع الشمس الليلة الأولى والثانية كما قيل، وقال بعضهم الليالي الثلاثة الأول، وقال بعضهم حتى يتحجر، والتحجر أن يستدير بخطة دقيقة، وقال بعضهم: حتى يبهر نوره ظلمة الليل وذلك في الليلة السابعة ثم يسمى قمراً ويسمى في الرابعة عشر بدراً، واسمه العام عند العرب الزبرقان.
والهلال مأخوذ من استهل الصبي إذا بكى عند الولادة أو صاح، ومن قولهم: "أهل القوم بالحج" إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية، سمي به لأن الناس يهلون بذكره إذا رأوا.
والمواقيت جمع ميقات وهو الوقت المضروب للفعل، ويطلق أيضاً على المكان المعين للفعل كميقات أهل الشام وميقات أهل اليمن، والمراد هاهنا الأول.
وفي قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الأهلة﴾ وإن لم يشرح أن السؤال في أمرها عماذا؟ عن حقيقة القمر وسبب تشكلاتها المختلفة في صور الهلال والقمر والبدر كما قيل، أو عن حقيقة الهلال فقط، الظاهر بعد المحاق في أول الشهر القمري كما ذكره بعضهم، أو عن غير ذلك.
ولكن اتيان الهلال في السؤال بصورة الجمع حيث قال: ﴿يسئلونك عن الأهلة﴾ دليل على أن السؤال لم يكن عن ماهية القمر واختلاف تشكلاته إذ لو كان كذلك لكان الأنسب أن يقال: يسئلونك عن القمر لا عن الأهلة وأيضاً لو كان السؤال عن حقيقة الهلال وسبب تشكله الخاص كان الأنسب أن يقال: "يسئلونك عن الهلال" إذ لا غرض حينئذ يتعلق بالجمع، ففي اتيان الأهلة بصيغة الجمع دلالة على أن السؤال إنما كان عن السبب أو الفائدة في ظهور القمر هلالاً بعد هلال ورسمه الشهور القمرية وعبر عن ذلك بالأهلة لأنها هي المحققة لذلك فأجيب بالفائدة.
ويستفاد ذلك من خصوص الجواب: قل هي مواقيت للناس والحج، فإن المواقيت وهي الأزمان المضروبة للأفعال، والأعمال إنما هي الشهور دون الأهلة التي ليست بأزمنة وإنما هي أشكال وصور في القمر.
وبالجملة قد تحصل أن الغرض في السؤال إنما كان متعلقاً بشأن الشهور القمرية من حيث السبب أو الفائدة فأجيب ببيان الفائدة وإنها أزمان وأوقات مضروبة للناس في أمور معاشهم ومعادهم فإن الإنسان لابد له من حيث الخلقة من أن يقدر أفعاله وأعماله التي جميعها من سنخ الحركة بالزمان، ولازم ذلك أن يتقطع الزمان الممتد الذي ينطبق عليه أمورهم قطعاً صغاراً وكباراً مثل الليل والنهار واليوم والشهر والفصول والسنين بالعناية الإلهية التي تدبر أمور خلقه وتهديهم إلى صلاح حياتهم، والتقطيع الظاهر الذي يستفيد منه العالم والجاهل والبدوي والحضري ويسهل حفظه على الجميع إنما هو تقطيع الأيام بالشهور القمرية التي يدركه كل صحيح الادراك مستقيم الحواس من الناس دون الشهور الشمسية التي ما تنبه لشأنها ولم ينل دقيق حسابها الإنسان إلا بعد قرون وأحقاب من بدء حياته في الأرض وهو مع ذلك ليس في وسع جميع الناس دائماً.
فالشهور القمرية أوقات مضروبة معينة للناس في أمور دينهم ودنياهم وللحج خاصة فإنه أشهر معلومات، وكأن اختصاص الحج بالذكر ثانيا تمهيد لما سيذكر في الآيات التالية من اختصاصه ببعض الشهور.
قوله تعالى: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ إلى قوله: ﴿من أبوابها﴾ ثبت بالنقل أن جماعة من العرب الجاهلي كانوا إذا أحرموا للحج لم يدخلوا بيوتهم عند الحاجة من الباب بل اتخذوا نقباً من ظهورها ودخلوا منه فنهى عن ذلك الإسلام وأمرهم بدخول البيوت من أبوابها، ونزول الآية يقبل الانطباق على هذا الشأن، وبذلك يصح الاعتماد على ما نقل من شأن نزول الآية على ما سيأتي نقله.
ولولا ذلك لأمكن أن يقال: إن قوله: ﴿وليس البر﴾ إلى آخره، كناية عن النهي عن امتثال الأوامر الإلهية والعمل بالأحكام المشرعة في الدين إلا على الوجه الذي شرعت عليه، فلا يجوز الحج في غير أشهره، ولا الصيام في غير شهر رمضان وهكذا وكانت الجملة على هذا متمماً لأول الآية، وكان المعنى: إن هذه الشهور أوقات مضروبة لأعمال شرعت فيها ولا يجوز التعدي بها عنها إلى غيرها كالحج في غير أشهره، والصوم في غير شهر رمضان وهكذا فكانت الآية مشتملة على بيان حكم واحد.
وعلى التقدير الأول الذي يؤيده النقل فنفى البر عن إتيان البيوت من ظهورها يدل على أن العمل المذكور لم يكن مما أمضاه الدين، وإلا لم يكن معنى لنفى كونه براً فإنما كان ذلك عادة سيئة جاهلية فنفى الله تعالى كونه من البر، وأثبت أن البر هو التقوي، وكان الظاهر أن يقال: ولكن البر هو التقوى، وإنما عدل إلى قوله: ﴿ولكن البر من اتقى﴾، اشعاراً بأن الكمال إنما هو في الاتصاف بالتقوى وهو المقصود دون المفهوم الخالي كما مر نظيره في قوله تعالى: ﴿ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن﴾ الآية.
والامر في قوله تعالى: ﴿وأتوا البيوت من أبوابها﴾ ليس أمراً مولوياً وإنما هو إرشاد إلى حسن اتيان البيوت من أبوابها لما فيه من الجري على العادة المألوفة المستحسنة الموافقة للغرض العقلائي في بناء البيوت ووضع الباب مدخلاً ومخرجاً فيها، فإن الكلام واقع موقع الردع عن عادة سيئة لا وجه لها إلا خرق العادة الجارية الموافقة للغرض العقلائي، فلا يدل على أزيد من الهداية إلى طريق الصواب من غير إيجاب، نعم الدخول من غير الباب بمقصد أنه من الدين بدعة محرمة.
قوله تعالى: ﴿واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾، قد عرفت في أول السورة إن التقوى من الصفات التي يجامع جميع مراتب الإيمان ومقامات الكمال، ومن المعلوم أن جميع المقامات لا يستوجب الفلاح والسعادة كما يستوجبه المقامات الأخيرة التي تنفي عن صاحبها الشرك والضلال وإنما تهدي إلى الفلاح وتبشر بالسعادة، ولذلك قال تعالى: ﴿واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ فأتى بكلمة الترجي، ويمكن أن يكون المراد بالتقوى امتثال هذا الأمر الخاص الموجود في الآية وترك ما ذمه من إتيان البيوت من ظهورها.
وأمّا سؤالكم ما هو الفرق بين التفسيرين:
أتباع أهل البيت (عليهم السلام): غالباً مايربطون التفسير بالروايات عن الأئمة (عليهم السلام) ويعطونه بعداً روحانيّاً أعمق.
أما غيرهم: تركز على التفسير اللغوي والتإريخي، مع التركيز على المعنى الظاهري للآية.
فالاختلاف بالتفاصيل بناءً على مصادر الروايات وطريقة استنباط الأحكام.
ودمتم في رعاية الله وحفظه.