العلاقة بين إرادة الله واختيارات الإنسان في الحياة
السلام عليكم هل الله تعالى هو المتحكم بنا ان نحن من نختار مصيرنا انا اعلم ان الله هو الذي يقدر لنا و لاكن اختي الصغيرة سالتني لماذا الله خلق الطبيب طبيبا و جعل المتسول متسولا و قمت بالشرح بان كل انسان يحدد مصيره و اعماله ولاكن الله هو المتحكم بالقضاء و القدر اريد منكم ان ان تشرحو لي هذا بتفصيل لاشرحه لها و شكرا
وعليكم السلام ورحمة اللّٰه وبركاته
أهلاً بكم في تطبيقكم المجيب
ابنتي الكريمة، في الحقيقة يرجع سؤال إلى كون أفعال الإنسان هل هي تحت اختياره أو أنه مجبور عليها، وبعبارة أخرى هل هو مسيرٌ وأن الأفعال التي تصدر منه وفق قضاء الله وقدره وليس له فيها أي اختيار فهو غير مسؤول عنها؟
الجواب نقول: ليس الإنسان مسيراً ولا مخيراً، بل أمر بين أمرين، وهذا ما ذهب إليه الشيعة بتأسيس من أهل البيت (عليهم السلام) فإن فرقة من المسلمين ذهبت إلى أن الإنسان مخير، وله أن يعمل ما يريد وكيف يريد وليس لله عليه سلطان ولا قدرة، فإنه خلق الخلق وتركهم يديرون المعمورة بما يريدون، وهؤلاء هم المعتزلة.
وفرقة من المسلمين قالوا إن الإنسان مسير وليس له أي قدرة على تغير ما يريد، فهو مجبر بكل معنى الكلمة، وكل الخير والشر الذي يصدر منه، فهو من الله تعالى وهم الجهمية. وفرقة ثالثة من المسلمين ذهبت أن الإنسان منه الكسب، والله هو من يخلق الأعمال على حسب إرادة الإنسان فالخالق والعامل والفاعل هو الله تعالى، ولكن على وفق ما يريد كسبه الإنسان.
أمّا أهل البيت (عليهم السلام) فإنهم لم يثبتوا الجبر بقول مطلق ولم يثبتوا الاختيار بقول مطلق، وإنما قالوا لا جبر ولا تفويض وإنما أمر بين أمرين، فلم يخرجوا الله تعالى عن سلطانه، ولم يسلبوا اختيار الإنسان، وهذه من المسائل الدقيقة في العقيدة ولابد أن يفهمها الإنسان بشكل لا يسلب سلطان الله من جهة ولا يسلب اختيار الإنسان من جهة، وهذه الوسطية الدقيقة ذكرها أهل البيت (عليهم السلام)، فإن القوة والقدرة من الله تعالى، وهو الذي يمدّ العباد بالقوة، والاختيار بيد المكلف فإن بيده أن يستعمل هذه القوة في الطاعات أو في المعاصي، والله تعالى حذره من استخدام هذه القوة في المعصية وأن يصرفها في غير المحرمات.
ولأجل اتضاحها نضرب مثالاً تقريبياً ذكره السيد الخوئي (رضوان اللّٰه عليه) وحاصله:
إذا كان الشخص مقطوع اليد وصنعت له يد كهربائية فإذا أعطاه الطبيب الكهرباء عملت اليد وهي تعمل بما يريده صاحبها فله أن يوجهها نحو عمل الخير وله أن يوجهها نحو عمل الشر، ولكن يبقى مصير اليد بيد الطبيب إن أراد أن يعطلها فصاحب اليد لا يقدر أن يعمل شيئاً.
فالله تعالى هو من يعطي القدرة للإنسان والقوة، والإنسان له أن يتصرف بهذه القدرة، وبهذه القوة في الطاعة أو في المعصية فمن جهة الإنسان لم يخرج عن سلطان الله تعالى، وأن أمره بيد الله تعالى، ومن جهة هو مختار في عمل شراً كان أو خيراً.
وقد دلت الآيات والروايات على هذه أن للإنسان اختيار، كقوله تعالى: {فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف: ٢٩).
ومنها قوله تعالى في الآية (١٧) من سورة الانفال: {فَلَمْ تقْتُلُوهمْ وَلكنّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلكنَّ اللّهَ رَمى}.
فالآية تصف النبي الأَعظم (صلّى الله عليه واله) بالرمي وتنسبه إليه حقيقة وتقول: «إذ رميت»، لكنها تصف اللَّه سبحانه بأنّه الرامي الحقيقي، وما ذلك إلّا لأن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) إنّما قام بما قام به إنما هو بالقدرة التي منحها اللَّه له، وكان الله مفيضاً لها على النبي (صلّى الله عليه وآله) حين الفعل، فيكون فعله فعلاً للَّه أيضاً.
وهناك مجموعة من الآيات تُعرّف الإِنسان بأنّه فاعل مختار في مجال أفعاله، وهي كثيرة منها:
قوله سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أساءَ فَعَلَيْها وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبيدِ} (فصلت: ٤٦)
ومنها قوله سبحانه: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسانِ إِلَّا ما سَعى} (النجم: ٣٩)
وغير هذه الآيات التي تبين هذه الحقيقة بأن الإنسان مختار وليس مجبراً، وأن الله تعالى هو القاهر فوق عباده فليس الإنسان خارجاً عن سلطان الله تعالى كما تصورته الجهمية.
وقد دلت الروايات الشريفة على ذلك، منها:
سأل رجل الصادق (عليه السلام ) فقال "قُلْتُ أَجْبَرَ اَللَّهُ اَلْعِبَادَ عَلَى اَلْمَعَاصِي؟ قَالَ: لاَ. قُلْتُ: فَفَوَّضَ إِلَيْهِمُ اَلْأَمْرَ؟ قَالَ: لا. قُلْتُ: فَمَا ذَا؟ قَالَ: لُطْفٌ مِنْ رَبِّكَ بَيْنَ ذَلِكَ" (الکافي ج ١، ص ١٥٩).
وفي رواية أخرى عن أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) سُئِلَ عَنِ اَلْجَبْرِ وَاَلْقَدَرِ فَقَالَ: «لاَ جَبْرَ وَلاَ قَدَرَ وَلَكِنْ مَنْزِلَةٌ بَيْنَهُمَا فِيهَا اَلْحَقُّ اَلَّتِي بَيْنَهُمَا لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ اَلْعَالِمُ أَوْ مَنْ عَلَّمَهَا إِيَّاهُ اَلْعَالِمُ».
(الکافي، ج ١، ص ١٥٩).
وغير هذه الروايات التي تبين حال الإنسان في أعماله، فهي من جهة أعماله التي عملها واختارها، ومن جهة هو داخل تحت سلطان الله تعالى وأن كل قوة عنده هي من عند الله تعالى.
و ذكر في الروايات الشريفة أسباباً للتوفيق:
1-منها النية الحسنة فقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قوله: «مَنْ حَسُنَتْ نِيَّتُهُ أَمَدَّهُ التَّوْفِيْقُ»[ غرر الحكم ودرر الكلم، ص341]
وجاء عن الإمام الصادق: «إِنَّمَا قَدَّرَ اللهُ عَوْنَ العِبَادِ عَلَى قَدْرِ نِيَّاتِهِمْ، فَمْنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ تَمَّ عَوْنُ اللهِ لَهُ»[بحار الأنوار، ج ٦٧ ص٢١١، حديث34.]
وعليه عندما يهمّ المرء بعمل شيءٍ لمجرد النكاية بأحد، أو تلبية لغريزة أو شهوة غير مناسبة، فهذه النية ليست نية حسنة بأيِّ حالٍ من الأحوال، فإذا أقدم على أمرٍ لم تكن نيته في حسنة وأتى به فلا يصح أن يقول: وفقني الله لان من يمده الله بالتوفيق فقط من كانت نيته حسنة.
2-منها الاجتهاد في طلب الشيء و ارادته فعن الإمام عليّ بن موسى الرضا : «مَنْ سَأَلَ اللهَ التَّوْفِيْقَ وَلَمْ يَجْتَهِدْ فَقَدْ اسْتَهْزَأَ بِنَفْسِهِ»[بحار الأنوار، ج75 ص356، ح11]
فانعدام الجدية في نظر الإمام هو إستهزاء بالنفس قبل أي شيءٍ آخر، لذلك ينبغي التزام الجد في أن يسلك الإنسان كل الأسباب التي يمكن أن تؤدي به إلى تحقيق غاياته فالذي وفق للتوبة كان عنده و إجتهاد في طلبها و العمل على تحقيقها.
3-منها الاستعانة بالله سبحانه وتعالى، والرغبة إليه، في التوفيق فقد ورد عن علي (عليه السلام): «التَّوْفِيْقُ عِنَايَةُ الرَّحْمَنِ»[ غرر الحکم و درر الکلم،ج1 , ص۵۳ ]
وفي وصيته لابنه الإمام الحسن: «وَابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذَلِكَ بِالاسْتِعَانَةِ بِإِلَهِكَ وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيْقِكَ»[نهج البلاغة، وصية رقم (31) من وصية له للحسن بن عليّ] .
ورد عن الإمام الصادق( عليه السلام): «ما كلّ مَنْ نَوَى شيئًا قَدَرَ عليه، ولا كلّ مَنْ قدَرَ على شيءٍ وُفِّقَ له، ولا كلّ مَنْ وُفِّقَ أصاب له موضعًا، فإذا اجتمعت النية والقدرة والتوفيق والإصابة فهناك تمت السّعادة»[بحار الأنوار، ج 5، ص٢١٠، حديث50.]
ودمتم موفقين.