السَّلام عليكم ، سؤال مهم..
نعلم ان القرأن لا يستطيع أحد ان ياتي بمثلهِ ولو بسورةٍ واحدة ، و المشركين ارباب اللغة العربية عجزوا عن ذلك ، ولكن اليوم الذكاء الاصطناعي اصبح قادر على ان يأتي بمثل سور القرأن من ناحية البلاغة والترتيب.. الخ ! حتى إنه كَتَبَ خمس سور مشابهة للقرآن .
فهل التحدي محمول على زمانهِ فقط واذا قلنا بهذا فبماذا نحتج لنثبت القرآن ؟ ام ماذا...
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أهلاً وسهلاً بكافي تطبيق المجيب
نذكر في مقام الجواب وجهين، وينبغي التدبر فيهما جيدا، فنقول:
١- الوجه الأول: إن الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم له جهات متعددة:
منها: بحسب النظم القرآني، بمعنى أن اختيار المفردة الخاصة دون ما يشابهها، ثم التركيب والتقديم والتأخير، والفصل والوصل، والحذف والذكر، واختيار حروف المعاني، واستعمال بعضها بدل بعض، وهي النظرية التي أسس لها عبد القاهر الجرجاني ثم تبعه بقية علماء البلاغة.
ومنها: بحسب الجانب التصويري في المفردة والتركيب، كما فصّل ذلك سيد قطب في كتابه ( التصوير الفني في القرآن الكريم ).
ومنها: الإعجاز في النظام الصوتي التي فصّل الكلام فيها محمد عبد الله درّاز في كتابه ( النبأ العظيم ) وغير ذلك جهات كثيرة كلّها داخلة تحت الاعجاز البلاغي للقرآن.
ثم نقول، إنّ كتابة تركيب مشابه للتركيب القرآني يقتضي أن يحافظ على الخصائص البلاغية بمجموعها، وهذه الخصائص لو فرضنا إمكان قدرة البشر عليها لاشترطنا أن يكون من أهل الطبع الذين شربوا البيان العربي، وعاشوا في عصر رقيّ اللسان العربي فخرج كلامهم مطبوعا غير متكلف، ولا تظهر عليه آثار الصناعة كما يعبّر في النقد الأدبي، والذكاء الصناعي لا يخرج عن إمكانيات وحدود قد بُرمج عليها مسبقا، وأما الابتكار بهذا المستوى فلا يستطيع امتلاكه، بل لم يخطر على بال صانعيه أصلا خصائص النظم القرآني وجهات بلاغته، فضلا أن يكونوا مطبوعين عليها، فكيف يمكن له الإتيان بمثله والحال هذه.
ثم إن الكلام البليغ هو الذي يطابق لفظه معناه من غير خلل، ثم يطابق معناه الخارج، فيحكي الصدق الذي لا كذب فيه، والحق الذي لا باطل فيه، وهذا من جهات بلاغة الكلام، قال العلامة الطباطبائي ( و أما المعنی فأن يكون في صحته و صدقه معتمدا علی الخارج الواقع بحيث لا يزول عما هو عليه من الحقيقة، و هذه المرتبة هي التي يتكي عليها المرتبة السابقة، فكم من هزل بليغ في هزليته لكنه لا يقاوم الجد، و كم من كلام بليغ مبني علی الجهالة لكنه لا يعارض و لا يسعه أن يعارض الحكمة، و الكلام الجامع بين عذوبة اللفظ و جزالة الأسلوب و بلاغة المعنی و حقيقة الواقع هو أرقی الكلام ) ( الميزان في تفسير القرآن ، الطباطبائي ، ج١ ، ٧٤ ) وتفصيل البحث في ذلك التفسير.
فكيف يمكن للذكاء الصناعي الإتيان بحقائق الوجود الغيبية المرتبطة بالله تعالى وصفاته والملائكة وأقسامها وأصنافها وصدور الوجود عنه تعالى واللوح والعرش والكرسي والخزائن الالهية، ثم الهداية الحقيقية التي يهدي إليها القرآن، وقد قال تعالى { إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } ( الإسراء: ٩ ) فإن جاء الذكاء الصناعي بما يساوي هداية القرآن بغير ألفاظه، فقد فاق الله تعالى في صحة التعبير، وإن جاء بأكثر منها، فقد صار أهدى من الله تعالى، وإن جاء بأقلّ منها فقد سقط عن مساواة القرآن.
٢- الوجه الثاني: إن إعجاز القرآن لا ينحصر بجهة بلاغته، بل يشتمل على إعجاز من جهات أخرى، منها ما يُسمّى بالإعجاز العلمي، فقد اشتمل القرآن على إشارات واضحة لحقائق علمية لم تكن موجودة في عصر النص، ولم يعلم بها البشر إلا في العصور الحديثة، وهذا البحث فيه مئات الموارد والشواهد على صدقه، ثم لم يخطؤ ولو في مورد واحد، وهناك كتب أُلفت فيه، وهذا لا يمكن أن يصدر إلا من العالم بحقائق الكون، ولا يصح عليه الاشتباه والخطأ، فهل يمكن للذكاء الصناعي أن يذكر لنا عشرة حقائق علمية لم يكتشفها العلماء لمائة سنة قادمة ثم لا يكون واحداً منها خاطئ؟! وهل هذا في قدرة مخلوق مهما كان قدره؟
على أن الذكاء الصناعي- على الرغم من القدرة الهائلة التي يمتلكها- يعتمد على البيانات المتوفرة في الشبكة العنكبوتية، وليست له مصادر خارجة عنها لتطوير قدرته على تكوين البيانات، لذا ذكر كثير من الباحثين في مجال الذكاء الصناعي أنهم يشهدون نمو متباطئ لقدرات الذكاء الصناعي، وذلك لاستنفاد البيانات المخزونة في الشبكة العنكبوتية.