logo-img
السیاسات و الشروط
محمد نهاد كاظم ( 19 سنة ) - العراق
منذ سنة

دلالات النفس في السياق الديني

السلام عليكم ما هي النفس في اللغة و في السياق الديني و لماذا اختلف العلماء في معناها؟


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته حياكَ الله عزيزي وتقبل أعمالكَ بأحسن القبول سؤالٌ مثيرٌ للاهتمام، والجواب عنه فيما يلي: 1- معنى النفس في اللغة: إنّ معنى النفس مما وقعَ فيه كلامٌ طويلٌ بين أهلِ القواميس واللغة، نكتفي بما ذكره ابن منظور، فقد قال في مقام بيان معنى النفس: " نفس: النفس: الروح، قال ابن سيده: وبينهما فرق ليس من غرض هذا الكتاب، قال أبو إسحق: النفس في كلام العرب يجري على ضربين: أحدهما قولك خرجت نفس فلان أي روحه، وفي نفس فلان أن يفعل كذا وكذا أي في روعه، والضرب الآخر معنى النفس فيه معنى جملة الشئ وحقيقته، تقول: قتل فلان نفسه وأهلك نفسه أي أوقت الإهلاك بذاته كلها وحقيقته ... المزید". (١) 2- وأمّا شرعاً فمعناها أَشكَلُ من معناها اللغوي، فقد حارَت المذاهبُ في بيان معنى النفس، حتى صارَ لكلِ مذهبٍ واتجاهٍ فكري تفسيرٌ للنفسِ والروح، ولكن المهم هو مّا ذكره علمائنا في بيان معناها، قد تعددت التعريفات والنظريات التي يذكرها الأعلام لاختلاف المباني المعرفية بينهم ( قدس الله أسرارهم)، نكتفي بنقل ما ذكره العلامة المجلسي فقد كانَ بحثاً موفقاً؛ فقد ذكر العلامة المجلسي في كتابه بحار الأنوار بياناً على إحدى الروايات التي نقلها عن كتاب الكافي وذُكِرَ فيها القلب، فتصدى العلامة المجلسي لبيانِ مطلبٍ يبينُ فيه حقيقة القلب، والفرقَ بينَ الروح والنفس والقلب: " فإذا عرفت ذلك فاعلم أن النفس والروح والقلب والعقل ألفاظ متقاربة المعاني": أمّا القلب فيطلق لمعنيين: أحدهما: اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر، وهو لحم مخصوص، وفي باطنه تجويف، وفي ذلك التجويف دم أسود وهو منبع الروح ومعدنه، وهذا القلب موجود للبهائم، بل هو موجود للميت. وثانيهما: هو لطيفة ربانية روحانية، لها بهذا القلب الجسماني تعلق وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته، فان تعلقها به يضاهي تعلق الاعراض بالأجسام، والأوصاف بالموصوفات، أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة أو تعلق المتمكن بالمكان، وتحقيقه يقتضي إفشاء سر الروح، ولم يتكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وآله فليس لغيره أن يتكلم فيه. وأمّا الروح أيضاً يطلق على معنيين: أحدهما: جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني، وينتشر بواسطة العروق الضوارب إلى ساير أجزاء البدن، وجريانها في البدن، وفيضان أنوار الحياة والحس والسمع والبصر والشم منها على أعضائها يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا الدار، فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به. فالحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان، والروح مثالها السراج، وسريان الروح وحركتها في الباطن مثاله مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه، والأطباء إذا أطلقوا اسم الروح أرادوا به هذا المعنى، وهو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب. وثانيهما: هو اللطيفة الربانية العالمة المدركة من الانسان وهو الذي شرحناه في أحد معنيي القلب، وهو الذي أراده الله تعالى بقوله: " يسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " وهو أمر عجيب رباني يعجز أكثر العقول والافهام عن درك كنه حقيقته. وأمّا النفس أيضاً مشترك بين معاني ويتعلق بغرضنا منه معنيان: أحدهما: أن يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الانسان، وهذا الاستعمال هو الغالب على الصوفية، لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الانسان فيقولون لابد من مجاهدة النفس وكسرها، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله: (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك). وثانيهما: هو اللطيفة التي ذكرناها، التي هو الانسان في الحقيقة، وهي نفس الانسان وذاته، ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب أحوالها، فإذا سكنت تحت الامر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات، سميت النفس المطمئنة قال تعالى: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية " فالنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله، فإنها مبعدة عن الله تعالى، وهو من حزب الشيطان، وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ومعترضة عليها، سميت النفس اللوامة، لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاها، قال الله تعالى: " فلا أقسم بالنفس اللوامة " وإن تركت الاعتراض وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان، سميت النفس الأمارة بالسوء قال الله تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام: " وما أبرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء " وقد يجوز أن يقال: الامارة بالسوء هي النفس بالمعنى الأول فاذن النفس بالمعنى الأول مذمومة غاية الذم، وبالمعنى الثاني محمودة لأنها نفس الانسان أي ذاته وحقيقته العالمة بالله تعالى وبسائر المعلومات. وأمّا العقل أيضاً مشتركة لمعان مختلفة والمناسب هنا معنيان: أحدهما: العلم بحقائق الأمور أي صفته العلم الذي محله القلب. وثانيهما: أنه قد يطلق ويراد به المدرك المعلوم، فيكون هو القلب أعني تلك اللطيفة. فاذن قد انكشف لك أن معاني هذه الأسامي موجودة وهو القلب الجسماني والروح الجسماني والنفس الشهوانية والعقل العلمي وهذه أربعة معان يطلق عليها الألفاظ الأربعة، ومعنى خامس وهي اللطيفة العالمة المدركة من الانسان والألفاظ الأربعة بجملتها يتوارد عليها، فالمعاني خمسة والألفاظ أربعة وكل لفظ اطلق لمعنيين. وأكثر العلماء قد التبس عليهم اختلاف هذه الألفاظ وتواردها، فتراهم يتكلمون في الخواطر، ويقولون هذا خاطر العقل، وهذا خاطر الروح، وهذا خاطر النفس، وهذا خاطر القلب، وليس يدري الناظر اختلاف معاني هذه الأسماء. ". (٢) نكتفي بما نقلناه عن العلامة، وتستطيعون مراجعة البيان الذي ذكره هناك فهو طويلٌ ومفيد، واضطررنا لنقل الجزء المتعلق بجواب سؤالكم، وتركنا نقل كل الكلام حتى لا يطول جوابنا أكثر. دمتم في رعاية الله —————————— (١) لسان العرب، الصفحات (233- 234-235-236). (٢) بحار الأنوار، الجزء ٦٧، الصفحة ٣٥.

3