السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إضافة لفظ "العشق" لله تعالى لا يخلو من عدّة إشكالات شرعية، وينبغي على المؤمن الابتعاد عن الشبهات، وسلك مسلك الاحتياط للنجاة، وخصوصاً في مسائل العقيدة.
وموطن الاعتلال في عدّة مواضع منها؛
- إنّا لا نَجد مثل هذه العبارات قد استُخدِمت عند أئمة أهل البيت عليهم السلام، ولا في القرآن الكريم فلا يُزايد المُطلق على حبهم؛ فيأتي بعبارات شاذة غير معروفة الكُنه. وليس كذلك من لوازم إطلاق الألفاظ أن يكون اللفظ قد جرى على لسان الشارع المقدّس -أي القرآن والعترة- ولكن ينحصر الإطلاق إن كان يتعدى منظومة ألفاظ الساحة المقدّسة في إطلاقها الألفاظ على الله تعالى!
والألفاظ قد يكون لا شائبةَ فيها إن كان استخدامها مُتعارفاً ومُتبادراً على لسان الشرع تارة ولسان العرف تارة أخرى، والعرض عن الشاذ هو الأسلم والأنجى.
وعلاوة على هذا؛ إنّ الروايات الصحيحة والمُعتدُ بها عبّرت بالمحبة لله، وكذلك الآيات القرآنية كقوله تعالى: «والذين آمنوا أشد حباً»، ولم يُذكر لفظ العشق؛ فليس لنا أن نتفذلك فنقول؛ يصحُ هذا اللفظ لكون العشق هو شدّة الحب! فلربما يظهر في هذا اللفظ علّة لا نعرفها.
- أنّ مثل هذه العبارات "العشق الإلهي، عشق الله" هي من مقولات المتصوفّة والعُرفاء الضالون، وتُعتبر رتبة إيمانية من المراتب المزعومّة عندهم في سلم القرب إلى الله!
- إنّ أسماء الله توقيفية فلا يجوز الزيادة عليها مما لم يُطلقه الله على نفسه، فإنّ قولنا عاشق لله يلزم من ذلك أن يكون الله معشوقاً؛ ولذلك هم بحاجة الى دليل من الشارع على مشروعية اطلاقها بهذا اللحاظ!
بل حتى في استخدام لفظ العشق مع الذوات المقدّسة المعصومة ينبغي الاحتياط والتأدّب بما أدبونا به في مخاطبتهم. ماهو رأيكم بهذا الكلام؟
الأخ طوس المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا الكلام صحيح في الجملة فإن تعريف العشق في اللغة والاصطلاح لا يناسب اطلاقه على الله تعالى ولا على النبي وأهل بيته صلوات الله عليهم، قال الشيخ علي النمازي الشاهرودي في مستدرك سفينة البحار، فقد أورد في أول نقده لاصطلاح العشق كلاماً منقولاً عن العلامة المجلسي ثم عقبه بإيراد الأدلة الدالة على كراهته والاحتياط بعدم استعماله، قال:
((بيان من المجلسي: العشق هو الإفراط في المحبة، وربما يتوهم أنه مخصوص بمحبة الأمور الباطلة، فلا يستعمل في حبه سبحانه وما يتعلق به، وهذا يدل على خلافه، وإن كان الأحوط عدم إطلاق الأسماء المشتقة منه على الله تعالى بل الفعل المشتق منه بناء على التوقيف. (انتهى). وفي أمالي الصدوق، علل الشرائع: عن المفضل قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العشق. قال: قلوب خلت عن ذكر الله، فأذاقها الله حب غيره. أقول: ورأيته في أمالي الصدوق وكتاب علله ... المزید وفي نهج البلاغة : قال (عليه السلام) في خطبة 108 : ومن عشق شيئا أعشى بصره، وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمع باذن غير سميعة، قد خرقت الشهوات عقله، وأماتت الدنيا قلبه، وولهت عليها نفسه فهو عبد لها ولمن في يديه شئ منها - الخ . وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المجلد الآخر في الحكم المنسوبة إليه صلوات الله عليه قال في حكمة 46: العشق مرض ليس فيه أجر ولا عوض، وفيه 807 : العشق جهد عارض، صادف قلبا فارغا . وينبغي هنا نقل كلام الشيخ المتبحر النوري في نفس الرحمن في العشق وملخصه كما في السفينة: إن العشق هو الإفراط في الحب وعرفته الأطباء بأنه مرض وسواسي يجلبه الإنسان إلى نفسه بتسليط فكرته على استحسان بعض الصور والشمائل التي تكون له، ويعتري للعزاب والبطالين والرعاع، ويزيد بالنظر والسماع، وينقص بالسفر والجماع. وقالوا: لا علاج أنفع من الوصال. وقال بعضهم: إنه ربما لا يكون معه شهوة مجامعة، بل كان المطلوب مطلق المشاهدة والوصال. وهذا الصنف منه يعتري للعارفين وكبراء النفوس، وينتقلون من هذا العشق المجازي إلى الحقيقي وهو معرفة الله عز وجل. (قال شيخنا في رد هذا الكلام): هذا طريق كلما ازداد صاحبه سيرا زاد بعداً عن ساحة معرفة الحق، التي هي غاية سير السالكين، فإن خلو القلب عن حبه تعالى هو السبب الأعظم في استحسان الصور، فكيف يصير طريقا له، وقد أبان من لا يعرف الله إلا بمعرفتهم طرق الوصول إلى معرفته، وليس فيها حب الفتيان والأمارد للانتقال إلى حبه تعالى إلا أن يكون إكمال الدين وإتمامه بيد هؤلاء الذين هم غيلان الدين ولصوص شريعة سيد المرسلين. ومن هنا كان التعبير من الإفراط في حب الله تعالى بالعشق خروجا عن طريق محاورة الأئمة ومصطلحهم، ولم يعهد التعبير عنهم به في أدعيتهم ومناجاتهم وبيانهم لصفات المتقين والمؤمنين، وذكرهم لصفات الإمام وخصائصه وفضائله، ولا عن الذين كانوا لهم أخصاء وأولياء في السر والعلانية. أرأيت أحداً في السالكين أعشق -على مصطلح هؤلاء- عن سيد الساجدين؟ أو رأيت في حكمه ومناجاته لفظ العشق؟ والذي رام التشبه بهم لا يخرج عن سننهم وآدابهم في جميع المراتب بما يقدر عليه من الأفعال والأقوال والحركات والسكنات. بل في توقيفية الأسماء الإلهية ما يغني عن التطويل، فإن كثيرا من الألفاظ نراها إطلاقها على الله صحيحاً بحسب معناها اللغوي أو العرفي. بل قد ورد إطلاق لفظ عليه تعالى دون ما يرادفه، فلا يجوز استعماله، إذ الضابط في جوازه وروده لا صحة معناه، وعدم ورود لفظ العشق وما يشتق منه في أسماء الله تعالى كورود لفظ الحب والحبيب. وفي صفات أوليائه الأكرمين دليل إما على عدم جواز استعماله أو كراهتهم له لدخول الشهوة في معناه العرفي، وإلا فكان الأولى اختصاص نبينا (صلى الله عليه وآله) بالعاشق لا الحبيب، كما اختص إبراهيم بالخليل وموسى بالكليم وعيسى بروح الله. والعجب من السيد المحدث الجزائري حيث ملأ في كتاب المقامات وفي نور حبه من كتاب أنواره لفظ العشق الحقيقي والمجازي، والتعبير عن أولياء الله بعشاق الله، وعن الإمام بسيد العاشقين، وهو منه في غاية العجب، وإن لم يكن عجبا من غيره ممن نبذ الأخبار وراءه ظهريا - إنتهى .
ودمتم في رعاية الله