logo-img
السیاسات و الشروط
ahmad ( 18 سنة ) - العراق
منذ سنة

تفسير حديث "من مدح نفسه ذبحها"

سلام عليكم يوجد حديث يقول (من ذم نفسه أصلحها، من مدح نفسه ذبحها) كيف يكون ذلك؟ أليس الأشخاص الذين يستخدمون التوكيدات الايجابية لرفع تقدير الذات أليس ذلك فيه مديح لأنفسهم؟ مثل: أنا شخص واعي وحكيم وافتخر بنفسي، فهذا مديح للنفس! علماً أن ذلك يوجد الكثير من الفوائد التي تحسن من الشخص وتجعله متوازناً نفسياً. فلماذا الإمام هنا ينوه بأن مدح النفس هو شر لها وليس خير؟!


وعليكم السلام ورحمة اللّٰه وبركاته أهلاً بكم في تطبيقكم المجيب أولاً: الرواية وردت في كتاب (ميزان الحكمة)، جزء (٤)، صفحة (٣٣٣٣)، وهي مرسلة. ثانياً: ولدي العزيز، لابد من التفريق بين الحديث مع النفس لمن يعانون ضعف الشخصية وما يحتاجون له من تقوية الذات، وبين من يمدحون أنفسهم أمام الآخرين، فقد جبلت النفوس على النفور ممن يمدحون أنفسهم ويثرثرون أمام الملأ عن ميزاتهم وإنجازاتهم. وفي حديث أمير المؤمنين (عليه السلام): «أوحش الوحشة العجب»، لأن الناس بطبيعتهم يستوحشون من صحبة المعجب بنفسه وينفرون منه. ومن طبيعة الناس كذلك ميلهم إلى من يستمع أكثر وليس إلى من يتكلم أكثر. ثم لابد أن نبين بأنه لا يجمل بالمؤمن العاقل أن يمدح نفسه ولا أن يزكيها وإن كان صادقاً، قال تعالى في سورة النجم: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ (٣٢)﴾، فينبغي للإنسان المؤمن ألا يذكر صلاته وصيامه وأعماله الصالحة، فإنّه لا يخلو أن يعددها لأحد اثنين، للناس أو لله، وذكرها للناس قبيح لما في ذلك من شوائب الرياء والفخر والعجب وذكرها لله أشد قبحاً لأن الله أعلم بالإنسان من نفسه وذكرها لا يناسب مقام التذلل والخشوع، بل من آداب النبي التي علمها أمير المؤمنين أن يدعو الله إذا أثني عليه في وجهه ويقول: «اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون» فضلاً عن أن يمدح نفسه ويزكيها أمام الآخرين. إذاً كيف نفسر كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): «إني النبأ الأعظم و الصديق الأكبر»؟ وقوله: «ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير»؟ وقوله: «أنا يعسوب المؤمنين»؟ وكيف نفسر قول النبي الأكرم (صلى اللّٰه عليه وآله): «أنا سيد ولد آدم»؟ وقول الصديقة الزهراء (صلوات اللّٰه عليها): «اعلموا أني فاطمة ... المزید ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً»؟ وقول الإمام الحسن (عليه السلام): «فأنا الحسن بن علي و أنا ابن البشير أنا ابن النذير»؟ وقول الإمام الحسين (عليه السلام): «اللهم إني أحب المعروف وأنكر المنكر»؟ وقول الإمام زين العابدين (عليه السلام): «أنا ابن مكة و منى»؟ وقول نبي الله يوسف (عليه السلام): ﴿ ... إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾؟ وقول نبي الله إسماعيل (عليه السلا): ﴿... سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾؟ إذا كانت تزكية النفس مما نهى الله عنه ومما لا يحسن ولا يجمل بالمؤمنين فعله، فلماذا فعله الأنبياء والأئمة المعصومون (صلوات اللّٰه وسلامه عليهم أجمعين)؟ يجيبنا الإمام الصادق (عليه السلام) بعبارة موجزة أجاب بها سائلاً يسأل: يجوز أن يزكي الرجل نفسه؟ قال: «نعم إذا اضطر إليه. أما سمعت قول يوسف ﴿ ... اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ وقال العبد الصالح ﴿ ... وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴾» فتزكية النفس ليست عملاً مستقبحاً في نفسه بل يقبحها الغرض المراد والنية و قرائن أخرى. وقول نبي الله إسماعيل ﴿ ... مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ معلق بمشية الله ﴿ ... إِنْ شَاءَ اللَّهُ ... ﴾ ولا بأس فيه أبداً، وقد قاله إسماعيل ليطمئن أبوه ويمضي في تنفيذ الأمر الإلهي. وكذلك قول نبي الله يوسف ﴿ ... حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ فليس أحد أجدر منها بالولاية على مصر وليس أحد غيره يستطيع إنقاذ البلاد من السنين العجاف وذلك لحكمته وحسن تدبيره ومعرفته بشؤون البلاد والعباد. وأما قول النبي (صلى اللّٰه عليه وآله): «أنا سيد ولد آدم» فقد أعقبها بقوله: «ولا فخر» وله الفخر كله بلا ريب ولكنه تأدب بتأديب الله (عزَّ وجلَّ). ولم يكن مدح أمير المؤمنين نفسه إلا دفاعاً عن دين الله وإحقاقاً للحق الذي أرادت قريش إخفاءه وتحريفه. فقوله (عليه السلام): «ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير» رداً على من صغر عظيم منزلته وإيضاحاً لمن لا يعرفه وجواباً لمن ألح عليه بإبداء رأيه في الخلفاء الثلاثة قبله، وإن تهماً كثيرة روجها مناوئوه وتضليلاً ضخماً مارسه أعداء الله ورسوله فأصبح لابد من دفع التهم وتنوير المضللين. ألم ينكر عمر أن علياً أخو رسول الله؟ ألم يطلب عبد الرحمن بن عوف مبايعته على سيرة الشيخين في مكيدة الشورى وكأنه من عامة الناس بل كأنه دون ذلك؟ ألم يتهم بأنه لا علم له بالحرب؟ حتى قال (عليه السلام): «وهل أحد منهم أشد لها مراساً وأقدم فيها مقاما مني»؟! ألم يذع في الشام أن علياً لا يصلي؟ ألم يروج أن فيه دعابة وأنه يعافس ويمارس؟ ألم تلصق به تهمة قتل عثمان؟ ألم يرم بالخيلاء والتكبر؟ وكذلك بقية الأئمة الأطهار من أهل البيت. إن الإمام زين العابدين فضح أكاذيب الأمويين واتهاماتهم بأن المعركة حدثت مع الخوارج والغرباء عن الدين والعرب، فشرع في خطبة تعريفية توضيحية ليبين للناس مكانتهم من رسول الله. إن من الناس من يعد الأئمة قادة ورؤساء كبقية الزعماء القبليين والعسكريين وملوك البلدان، وليس باعتبارهم أئمة الدين ومصادر الشريعة وخلفاء الله في أرضه، فكان لابد من بيان مقامهم ومكانتهم ومنزلتهم وحقيقة قيادتهم الربانية. وخلاصة القول نأخذه من إمامنا الصادق (عليه السلام) أن لا يزكي الرجل نفسه إلا إذا اضطر إليه. كتزكيته نفسه للحصول على وظيفة يكفل بها نفسه وأسرته، أو لدفع تهمة ظلمة حاقت به، أو لإرعاب عدوه والتفاخر عليه كما يفعل المقاومون في الجنوبين، لا اشكال فيه. (منقول بتصرف). ودمتم في رعاية اللّٰه وحفظه.