السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ هؤلاء الذين يفعلون مثل هذه الأمور يختلفون في نواياهم، فقسم لشدّة حزنه وتفاعله مع المصيبة ينفعل بالمقدار الذي يؤذي به جسده، كما هو الحال عند الجازع على أيّة مصيبة أُخرى، فأنت لا تستطيع أن تتكلّم مع هذا الجازع، وتقول له: لماذا تفعل بنفسك هكذا؟ لأنّه قد تكون تلك الأفعال أشبه بالأفعال اللا إرادية.
نعم، أنت تستطيع أن تبيّن له أنّ جزعه هذا على مصائبه الدنيوية غير صحيح، فإذا خرج من حالة الجزع توقّف عن تلك الأفعال..
وكذلك مع مصيبة الإمام الحسين(عليه السلام)، إلاّ أنّ الفرق هنا أنّك لا تستطيع أن تقول له: لا تجزع لهذه المصيبة؛ لأنّ الجزع هنا غير مكروه، وإذا حصلت حالة الجزع فما عليك إلاّ أن ترى آثار ذلك الجزع، كاللطم والبكاء والعويل، وغيرها من الأمور؛ التي هي آثار لذلك الجزع.
وقسم آخر ينظر إلى التطبير والضرب بالسلاسل واللطم بأنّه حالة من المواساة لإظهار الاستعداد والولاء للامام الحسين(عليه السلام) من خلال تحمل المشاقّ والآلام والمتاعب، وفرق كبير بين من يظهر الولاء بالكلام مثلاً، وبين من يظهر الولاء بأُمور صعبة على النفس، فتحمّل هذه الصعاب معناه: صدق الولاء وصدق الاستعداد.
ولعلّ قسماً ثالثاً ينظر لهذه الأُمور على أنّها وسيلة للإبكاء وإثارة المشاعر؛ فيقولون: لا يضرّ هذه الأُمور أن تكون غير موجودة في عصر الأئمّة(عليهم السلام) بعد كونها من مظاهر الجزع الجائز في الشريعة، فاختلاف مظاهر الجزع من عصر إلى عصر، وجواز ذلك الجزع لا يعني أنّه ليس لها مشروعية، بل مشروعيتها من مشروعية جواز ذلك الجزع.. أو يقولون: ما دامت تلك الأًمور من مظاهر الإبكاء، والإبكاء على الحسين(عليه السلام) محبّذ بالشريعة، ووردت فيه نصوص، فدخلت تلك الأُمور تحت ذلك العنوان، أو يقولون: أنّها أصبحت من شعائر الله، وتعظيم شعائر الله محبّذ في الشريعة، والفقهاء لا يتوصّلون إلى الحكم الشرعي فقط عن طريق الروايات، بل لو لم يكن لفعل من الأفعال أيّة رواية فإنّهم يستطيعون الحكم على تلك الأفعال بالجواز وعدم الجواز، بل بالوجوب، أو الاستحباب، أو الكراهة، أو الإباحة، أو الحرمة.
فلو لم يرد عندنا دليل من السنّة على بعض مظاهر الحزن فهل معناه أنّ هذا الفعل حرام؟!
الفقهاء يقولون: إنّ الأصل في الأشياء: الإباحة والجواز، لا الحرمة.
ثمّ إنّ الأحكام لم ترد كلّها بصورة جزئية حتّى نطالب بالروايات الخاصّة، وإنّما قسم من الأحكام جاء على شكل قواعد كلّية، وعلى الفقيه أن يفرّع عليها الفروع والجزئيات؛ فلاحظ!