بسم الله الرحمن الرحيم
عن مولانا الصادق (عليه السلام) قال: من عَبد الله بالتوهم فقد كفر ومن عبد الإسم دون المعنى فقد كفر ومن عبد الإسم والمعنى فقد أشرك إلى نهاية الحديث.
اوّلاً: أنا عند الصلاة أتخيل رؤية إسمه عزوجل (الله) وحتى عند ذكره وهذا الأمر يبث الخشوع في قلبي لذكره عزوجل فهل في ذلك شبهة؟ علماً أنّي أحب اسمه لأنّه يذكرني به فما حكم ذلك وأيضاً كيف أذكر اسمه بدون أن أقع في الشبه كما هو مذكور في الحديث؟
ثانيا : عند البحث وجدت تفسير الحديث لكني لم أفهم هل يمكن أن تشرح لي معناه بشكل مبسط؟
أهلاً وسهلاً بالسائل الكريم
أولاً: مسألة تخيل أو تصور اسم الله لم يرشد لفعلها الفقهاء، بل قالوا لابد من النية القلبية في التوجه حين الصلاة، فلا ينبغي فعل ذلك، لأنّه لا يصدق عليه التوجه إلى الله تبارك وتعالى، بل لا يبعد أنّ المصلي يكون مشغولاً ومتوجهاً للاسم وغافلاً عن أن يتوجه لله تعالى.
ثانياً: وردت الرواية في كتاب (الكافي)، جزء (١)، صفحة (٨٧). ومتنها هو، (( … عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من عبد الله بالتوهم فقد كفر ومن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك، ومن عبد المعنى بإيقاع الأسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه فعقد عليه قلبه ونطق به لسانه في سرائره وعلانيته فأولئك أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام حقا)). وفي حديث آخر: أولئك هم المؤمنون حقا.
وقد تعرض لشرها المازندراني في كتاب (شرح اصول الكافي)، جزء (٣)، صفحة (٩٦)، ما هو لفظه: ((عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من عبد الله بالتوهم) أي بتوهم أن له حدا أو كيفية أو صورة أو مقدارا أو أينا أو وضعا إلى غير ذلك من المعاني الوهمية والصور الخيالية والمفهومات العقلية (فقد كفر) لأنه اتخذ معبودا باطلا، إذ المعبود الحق لا ينال له الأوهام ولا يدركه الأفهام ولا يعرضه لواحق المحسوسات ولا يلحقه عوارض الممكنات ولا يشبهه شيء من المخلوقات، فمن تصوره أو توهمه أو تخيله بنحو من هذه الأنحاء وعبده فقد كفر.
(ومن عبد الاسم) المركب من الحروف مثل الله والرحمن والرحيم والقادر وغيرها (دون المعنى) المراد منه وهو الذات المقدسة المنزهة عن التركيب والحدوث (فقد كفر) لأن المعبود الحق هو المعنى والاسم غيره فمن عبد الاسم فقد عبد غيره ومن عبد غيره فهو كافر.
(ومن عبد الاسم والمعنى) أي المجموع من حيث هو أو كل واحد منهما والأخير أنسب بقوله (فقد أشرك) حيث جعل الاسم مشاركا للمعنى في استحقاق العبادة فقد اتخذ إلهين اثنين بل آلهة لتعدد الأسماء وتكثرها.
(ومن عبد المعنى بإيقاع الأسماء عليه) أي من عبد المعنى وحده وذكر اسما من أسمائه باعتبار أنه دال عليه على ما جرت عليه العادة من انتقال الذهن من اللفظ إلى المعنى لا باعتبار تعلق العبادة به (بصفاته) متعلق بعبد أو حال عن فاعله أو عن مفعوله أو حال عن الأسماء يعني من عبد المعنى حال كون ذلك العابد آخذا بصفاته أو حال كون المعنى مأخوذا بصفاته أو حال كون الأسماء متلبسة بصفاته (التي وصف بها نفسه) في القرآن وبينها لرسوله وعلمها الرسول أوصياءه وعلمه الأوصياء سائر الخلائق كما تعرف من أحاديثهم (فعقد عليه قلبه) أي فعقد على المعنى المأخوذ مع صفاته على الوجه اللايق به قلبه عقدا جازما (ونطق به لسانه) بسبب ذكر أسمائه (في سرائره وعلانيته) السر متعلق بالعقد والعلانية بالنطق، وتعلق المجموع بالمجموع أو كل واحد بكل واحد بعيد، وفيه إشارة إلى اعتبار خشوع القلب والجوارح في العبادة.
(فأولئك أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) حقا، وفي حديث آخر: أولئك هم المؤمنون حقا) حقا مفعول مطلق حذف ناصبه وجوبا كما في زيد قايم حقا أي حق حقا يعني ثبت.
وفي قوله «بصفاته التي وصف بها نفسه» إشعار بأن صفاته توقيفية وأن الحقيقة الإلهية غير معلومة لنا وإنا أنما نعلمها من جهة صفاتها وآثارها الظاهرة في عالم الإمكان وأنها مختلفة فإن أثر العلم والحكمة شيء وأثر الصنع والقدرة شيء آخر وهكذا في ساير الصفات، ثم لما كان هذا العالم عالم الكثرة والتفرقة الذي يقف فيه الأوهام على حد لا يليق بجناب الحق لأن عالم الوجوب الذاتي عالم وحدة لا كثرة فيه أصلا ولا سبيل فيه لاحكام الوهم.
وكانت هذه الصفات التي اختلفت آثارها ومفهوماتها غير مفيدة لمعرفته تعالى على أي وجه أخذناه، وأي طريق تصورناه بل قد تصير حجابا بيننا وبينه تعالى فلذلك ترى كثيرا من الناس بقوا متحيرين من وراء ذلك الحجاب فبعضهم شبهوه بالجسم وبعضهم شبهوه بالصورة وبعضهم اعتقدوا أن صفاته أمور موجودة في الخارج زائدة على ذاته عارضة لها إلى غير ذلك من المذاهب الباطلة وجب على العبد السالك إلى الله الطالب لمعرفته من جهة صفاته على ما ينبغي له أن يرفع ذلك الحجاب بقوة الإشراقات القلبية الحاصلة من أجل متابعة النواميس الإلهية والقوانين الشرعية التي بينها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لوصية أمير المؤمنين (عليه السلام) وبينها أمير المؤمنين (عليه السلام) للامة وهداهم إليها فمن عرف صفاته بتعليمه (عليه السلام) وجردها عن شوائب الأوهام ومفتريات الأفهام فهو من أصحابه (عليه السلام) ومن عرفها برأيه وأخذها بوهمه فهو ضال مضل شبه ربه بالخلق وظالم لنفسه ولمن تبعه ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون، ثم هذا طريق المتوسطين في معرفته تعالى وأما الكاملون بالنفوس القدسية كالأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) فهم يعرفونه بذاته ويشاهدونه بأبصار القلوب الصافية، ثم يعرفون آثاره وأفعاله كما يرشد إليه قول أمير المؤمنين (عليه السلام) «ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله».