السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
مرحلة ما بعد الولادة وهي المرحلة التالية لمرحلة الحمل مباشرة، وتعتبر أول محيط اجتماعي يحيط بالطفل، لأنها الأساس في البناء الجسدي والعقلي والاجتماعي للطفل، ولها تأثيرها الحاسم في تكوين التوازن الانفعالي والنضوج العاطفي، ولذلك ركز المنهج الاسلامي على إبداء عناية خاصة بالطفل في هذه المرحلة، متمثلة بالقيام بالاعمال التالية:
أولا: مراسيم الولادة:
تبدأ مراسيم الولادة منذ اليوم الأول إلى اليوم السابع من الولادة للحفاظ على صحة الطفل الجسدية والنفسية معا، فأول عمل يقوم به الوالدان هو إسماع الطفل اسم الله تعالى، فعن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من ولد له مولود فليؤذن في أذنه اليمنى بأذان الصلاة، وليقم في اليسرى فإنها عصمة من الشيطان الرجيم "ولأهمية الأذان والإقامة في أذن الطفل أوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ضمن وصايا عديدة: " يا علي إذا ولد لك غلام أو جارية، فأذن في أذنه اليمنى وأقم في اليسرى فإنه لا يضره الشيطان ابدا " .
والعصمة من الشيطان هي تحصين للطفل من الانحراف بتقوية الإرادة، وهذه الوصايا وان لم يبحثها علماء النفس وعلماء التربية المعاصرين، ولكنها من الحقائق التي أثبتتها التجارب المتكررة لمن طبقها في منهجه التربوي، مع مراعاة الوصايا الأخرى في جميع مراحل الطفولة.
ويستحب تسمية الوليد بأحسن الأسماء ولا أحسن من اسم محمد وهو اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): " لا يولد لنا ولد إلا سميناه محمدا فإذا مضى لنا سبعة أيام فان شئنا غيرنا وان شئنا تركنا " .
وأكد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على والأسماء الحسنة تحصن الطفل من السخرية والاستهزاء من قبل الآخرين، فلا تكون سببا للشعور بالنقص كما هو الحال في الأسماء المستهجنة.
ومن مراسيم الولادة العقيقة وهي ذبح شاة في المناسبة، وحلق رأس الطفل كما جاء في قول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): " عق عنه واحلق رأسه يوم السابع، وتصدق بوزن شعره فضة " .
والعقيقة التي هي مصداق للصدقة تمنع من البلاء وتقي الطفل من المخاطر، ولعل فيها آثار نفسية حسنة للطفل حينما يترعرع ويفهم ان والديه قد اعتنوا به في ولادته، وهي ذكرى حسنة عند من وصلته تلك العقيقة أو بعضها.
ومن مراسيم الولادة الختان، قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): " اختنوا أولادكم لسبعة أيام فإنه أطهر وأسرع لنبات اللحم ... المزید " (4 ثانيا: التركيز على حليب الام الحليب هو المصدر الأساسي والوحيد لتغذية الطفل في الأشهر الأولى من حياته، وأفضل الحليب حليب الأم لأن عملية الرضاعة لها تأثيرها على الجانب العاطفي للطفل، والام أفضل من تمنحه الحنان والدفئ العاطفي بدافع غريزة الأمومة التي أودعها الله تعالى في المرأة، حيث (تصب ركائز مشاعر الطفل وأحاسيسه من أولى أيام الرضاع) .
وتتوثق أواصر المحبة بين الطفل وأمه عن طريق الرضاعة، فيكون الطفل أقل توترا وأهنأ بالا وأسعد حالا .
وجاءت روايات أهل البيت (عليهم السلام) ووصاياهم مؤكدة على التركيز على حليب الأم، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): " ما من لبن يرضع به الصبي أعظم بركة عليه من لبن أمه " (3) ووضع أهل البيت (عليهم السلام) برنامجا في أسلوب الرضاعة ومدتها، وهو الرضاع من جهتين وإطالة مدتها إلى واحد وعشرين شهرا، قال الإمام جعفر الصادق لأم إسحاق بنت سليمان: " يا أم إسحاق لا ترضعيه من ثدي واحد وأرضعيه من كليهما يكون أحدهما طعاما والآخر شرابا " .
وقال (عليه السلام): " الرضاع واحد وعشرون شهرا فما نقص فهو جور على الصبي " .
فطول مدة الرضاعة له تأثير ايجابي على الوضع النفسي والعاطفي للطفل، وهي أهم المراحل في البناء العاطفي للطفل حيث تحتضن الأم طفلها وتضمه إلى صدرها، فيشعر بالحنان المتواصل والدفئ العاطفي،
ومناغاة الطفل في هذه المرحلة ضرورية للطفل تؤثر على نموه اللغوي ونموه العاطفي في المستقبل، فكانت فاطمة الزهراء (عليها السلام) تناغي الحسن (عليه السلام) وتقول:
أشبه أباك يا حسن * واخلع عن الحق الرسن
واعبد إلها ذا منن * ولا توال ذا الإحن وكانت تناغي الحسين (عليه السلام):
أنت شبيه بأبي * لست شبيها بعلي
وأكد أهل البيت (عليهم السلام) كما تقدم على إقامة علاقات المودة والحب بين الوالدين، وتجنب المشاكل التي تؤثر على الصحة النفسية لكليهما وللأم على وجه الخصوص، لانعكاس انفعالاتها المتشنجة واضطرابها النفسي على الطفل في مرحلة الرضاعة. وفي هذه المرحلة أوصى أهل البيت (عليهم السلام) بالاهتمام بغذاء الأم المصدر، الأساسي لتكوين الحليب من حيث الكمية والنوعية، وكان التركيز على التمر في إطعام الأم لتأثيره على الرضيع، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " ليكن أول ما تأكل النفساء الرطب.. " قيل: يا رسول الله فإن لم يكن أوان الرطب؟ قال: " سبع تمرات من تمر المدينة، فإن لم يكن فسبع تمرات من تمر أمصاركم " .
وأوصى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بأكل أحد أنواع التمر وهو البرني فقال: " اطعموا البرني نساءكم في نفاسهن تحلم أولادكم ".
ووضع أهل البيت (عليهم السلام) لائحة بالمواد الغذائية المهمة في النمو والصحة .
فخبز الشعير وقاية من الأمراض، وسويق الحنطة ينبت اللحم ويشد العظم ويسهل الهضم، وسويق العدس يسكن هيجان الدم ويقلل من حرارة الجسم، واللحوم وخصوصا لحم الدراج يقلل من الغضب، والهريسة تنشط الجسم وتمنحه الحيوية، والزيتون يطرد الرياح، والعنب يقلل الغضب، والسفرجل يقوي القلب والخس يصفي الدم، كما أكدوا على العسل والبيض واللبن وسائر أنواع الفواكه. وتنتقل فوائد هذه المواد الغذائية من الأم إلى الطفل عن طريق الحليب المتكون منها.
وخلاصة القول يجب الاهتمام بالاسترضاع من حليب الام، فإذا تعذر فيجب اختيار المرضعة المؤمنة السالمة من الأمراض الجسدية والنفسية، وإذا تعذر فتسترضع غير المؤمنة بشرط منعها من شرب الخمر وكل ما يضر بصحة الطفل، والاهتمام بالصحة النفسية للأم والاهتمام بصحتها الجسدية، واشباع حاجتها إلى الطعام الضروري في انتاج الحليب النقي والغني بالمواد الغذائية الضرورية لينعكس ذلك ايجابيا على صحة الطفل النفسية والجسدية.
وأما بالنسبة لقراءة القرآن قرب الطفل ففيه فوائد كثيرة فقد تناولت ذلك عدة روايات ومنها:
عن أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام قال: "ما من أحد في حد الصبي يتعهد في كل ليلة قراءة قل أعوذ بربِّ الفلق وقل أعوذ بربِّ الناس كلّ واحدة ثلاث مرات و قل هو الله أحد مائة مرة فإن لم يقدر فخمسين إلا صرف الله عنه كل لمم أو عرض من أعراض الصبيان والعطاش وفساد المعدة وبدور الدم أبداً ما تعوهد بهذا حتى يبلغه الشيب فإن تعهَّد نفسه بذلك أو تعوهد كان محفوظاً إلى يوم يقبض الله عزَّ وجلَّ نفسه.
وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: "من قرأ قل هو الله أحد مرة بورك عليه، من قرأها مرتين بورك عليه وعلى أهله، ومن قرأها ثلاث مرات بور ك عليه وعلى جيرانه، ومن قرأها اثنتي عشرة مرة بنى الله له اثني عشرة قصراً في الجنَّة، فتقول الحفظة اذهبوا بنا إلى قصور أخينا فلان فننظر إليها، ومن قرأها مائة مرة غفرت له ذنوب خمسة وعشرين سنة ما خلا الدماء والأموال، ومن قرأها أربعمائة مرة كان له أجر أربعمائة شهيد كلُّهم قد عقر جواده وأريق دمه، ومن قرأها ألف مرة في يوم وليلة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو ترى له"
وعن أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام قال: "ما من أحد في حد الصبي يتعهد في كل ليلة قراءة قل أعوذ بربِّ الفلق وقل أعوذ بربِّ الناس كلّ واحدة ثلاث مرات و قل هو الله أحد مائة مرة فإن لم يقدر فخمسين إلا صرف الله عنه كل لمم أو عرض من أعراض الصبيان والعطاش وفساد المعدة وبدور الدم أبداً ما تعوهد بهذا حتى يبلغه الشيب فإن تعهَّد نفسه بذلك أو تعوهد كان محفوظاً إلى يوم يقبض الله عزَّ وجلَّ نفسه"26.
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: "من أدمن قراءة سورة مريم، لم يمت حتى يصيب منها ما يعينه في نفسه وماله وولده، وكان في الآخرة من أصحاب عيسى بن مريم عليه السلام وأعطي في الآخرة مثل ملك سليمان بن داود في الدنيا"