لا يخفى بأنّ الإسلام يرشد الزوجين إلى الأُسس السليمة عند الاختيار، ويكشف عن المواصفات التي يجب مراعاتها، فهو يحث كلا من الزوجين على بذل الوسع واستنفاذ الجهد بغية التعرف على أوصاف شريك العمر والمشورة مع الأقارب وغيرهم لكون القضية حيوية لا تقتصر على سعادتهما بل تنعكس آثارها على النسل.
وكان عباد الله الصالحون يطلبون المدد والعون من الله تعالى لكي يوفقهم لحسن الاختيار، وأن يهب لهم الزوجة والذرية الصالحة {وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً}(الفرقان:٧٤)
لكن هناك بعض الشباب يتأخّر في الزواج وحينما تسأله عن سبب التأخير يقول لك: لم أجِد بعدُ الزوج الملائم. وما السبب في الحقيقة إلّا المثاليّة اللا واقعية الّتي يعيش فيها هذا الشخص أو الفتاة.
فمقياس الكفاءة والصلاح: التدين والسلوك الحسن، ومتى توفرا في المتقدم للبنت، لم يكن ثمة مبرر عند وليّها للتعويق والتأخير، وملحوظ تكرار التشديد والحذر في الأحاديث، بأن تعويق الزواج يسبب الفتنة والفساد الكبير في المجتمع.
ويمكن معرفة التدين والسلوك الحسن من خلال:
1ـ الإيمان والتقوىٰ :
فأوّل شرط يجب أن تنظر فيه الفتاة أو من يتعهّد ذلك من قبَلها هو إيمان الشاب وتقواه لله تعالى، روى الطبرسي في مكارم الأخلاق "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى اَلْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) يَسْتَشِيرُهُ فِي تَزْوِيجِ اِبْنَتِهِ فَقَالَ زَوِّجْهَا مِنْ رَجُلٍ تَقِيٍّ فَإِنَّهُ إِنْ أَحَبَّهَا أَكْرَمَهَا وَ إِنْ أَبْغَضَهَا لَمْ يَظْلِمْهَا"( مکارم الأخلاق ج ١، ص ٢٠٤)
2ـ أن يكون أميناً :
ومن الموارد المهمّة التي يجب تحقيق ذلك من ناحية الزّوجة أن تعرف أمانة الشاب الذي خطبها، فلو لم يكن الشّاب أميناً،ولا يؤتمن على المال، فكيف يؤتمن على العرض؟ والزّوجة أمانة عنده، روى الحسين بن بشار الواسطي، "قال كَتَبْتُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ اَلثَّانِي (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) أَسْأَلُهُ عَنِ اَلنِّكَاحِ فَكَتَبَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ مَنْ خَطَبَ إِلَيْكُمْ فَرَضِيتُمْ دِينَهُ وَ أَمَانَتَهُ فَزَوِّجُوهُ {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}" (الأنفال: 73)(تهذيب الأحکام ج ٧، ص ٣٩٦).
3ـ أن يكون عفيفاً :
أكّد الإمام الصادق (عليه السلام) على عفّة الشّاب بحيث إذا لم يكن عفيفاً فليس بكفوٍ.
روي عن أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ ) قَالَ: اَلْكُفْوُ أَنْ يَكُونَ عَفِيفاً وَ عِنْدَهُ يَسَارٌ(معاني الأخبار ج ١، ص ٢٣٩)
والمقصود بالعفّة هي حصول حالة للنّفس تمنع بها عن غلبة الشهوة.
قال القمي : ويطلق في الأخبار غالباً على عفة البطن والفرج ، وكفّهما عن مشتهياتهما المحرّمة .
٤- لا يكون سيّء الأخلاق :
وعلى الشاب أيضاً أن يترك عاداته من عهد الطفولة والحداثة، ويترك الأخلاق السيئة والحدة والعصبية، فلا شك أن الأخلاق الذميمة تحد من قيمة الرجل تماماً.
فلا يتوقّع الشاب أن يزوّجوه وهو سيّء الأخلاق؛ لأنّ الشرع المقدّس منع الفتاة من الزّواج بهذا الشاب. روي عَنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ بَشَّارٍ قَالَ: "كَتَبْتُ إِلَى أَبِي اَلْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أَنَّ لِي ذَا قُرْبَةٍ قَدْ خَطَبَ إِلَيَّ وَ فِي خُلُقِهِ سُوءٌ قَالَ لاَ تُزَوِّجْهُ إِنْ كَانَ سَيِّئَ اَلْخُلُقِ" (مکارم الأخلاق ج ١، ص ٢٠٣).
فلو تأمّلنا فيما قاله الرضا (عليه السلام) لابن بشّار وما ركّز عليه : أنّ السبب في منعه زواج
إبنته من الشاب الذي كان من أقاربه هي الأخلاق السيئة.
4ـ لا يكون شارب الخمر :
ومن جملة المؤهلات التي يجب أن يتّصف الشاب الذي يريد الزّواج هو الإبتعاد عن كل ما يشينه ويسقطه عن أعين الناس.فإنّ الشاب كل ما تقرب إلى أفعال الشيطان ومنوياته إبتعد عن الأخلاق الكريمة التي منها :شرب الخمر وإدمانه، فلذلك لا يحقّ لأيّ والد مسلم مؤمن أن يزوّج كريمته شارب الخمر والمدمن عليه؛ لأنّه ليس بأهل لذلك. وَ قَالَ اَلصَّادِقُ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) : "مَنْ زَوَّجَ كَرِيمَتَهُ مِنْ شَارِبِ اَلْخَمْرِ فَقَدْ قَطَعَ رَحِمَهَا"(عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية ج ٣، ص ٣٤١)
5ـ لا يكون فاسقاً :
روي عن النبي (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَالَ: "مَنْ زَوَّجَ كَرِيمَتَهُ مِنْ فَاسِقٍ نَزَلَ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفُ لَعْنَةٍ"(مستدرک الوسائل و مستنبط المسائل ج ١٤، ص ١٩٢).
قال الفيض الكاشاني : ويجب على الولي أيضاً أن يراعي خصال الزّوج، وينظر لكريمته فلا يزوّجها ممن ساء خلقه أو ضعف دينه أو قصر عن القيام بحقها أو كان لا يكافيها في نسبها، قال (صلّى الله عليه وآله) : النكاح رقّ فلينظر أحدكم أين يضع كريمته، والإحتياط في حقها أهمّ؛ لأنّها رقيقة بالنكاح لا مخلص لها، فالزوج قادر على الطلاق بكل حال، ومهما زوّج إبنته من ظالم أو فاسق أو مبتدع أو شارب خمر فقد جنى على دينه وتعرض لسخط الله بما قطع من الرحم بسوء الإختيار، وقال (صلّى الله عليه وآله) من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها.