نقل صاحب الميزان في تفسيره مّا يلي: (بحث روائي): في تفسير البرهان عن الصدوق بإسناده إلى محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام } قال: إن أهل الجاهلية كانوا إذا ولدت الناقة ولدين في بطن واحد قالوا: وصلت، فلا يستحلون ذبحها ولا أكلها، وإذا ولدت عشراً جعلوها سائبة، ولا يستحلون ظهرها ولا أكلها، والحام فحل الإِبل لم يكونوا يستحلونه فأنزل الله: أنه لم يكن يحرم شيئاً من ذلك.
قال: ثم قال ابن بابويه: وقد روي: أن البحيرة الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن وإن كان الخامس ذكراً نحروه فأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى بحروا أُذنها أي شقوها وكانت حراماً على النساء لحمها ولبنها فإذا ماتت حلت للنساء، والسائبة البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله من مرض أو بلغه منزله أن يفعل ذلك.
والوصيلة من الغنم، كانوا إذا ولدت شاة سبعة أبطن فكان السابع ذكراً ذبح فأكل منه الرجال والنساء، وإن كان أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم تذبح وكان لحمها حراماً على النساء إلاَّ أن تموت منها شيء فيحلُّ أكلها للرجال والنساء.
والحام الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا: قد حمى ظهره، قال: وقد يروى: أن الحام هو من الإِبل إذا أنتج عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلأ ولا ماء.
أقول: ومن طرق الشيعة وأهل السنة روايات أُخر في معاني هذه الأسماء: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وقد مرَّ شطر منها في الكلام المنقول عن الطبرسي في مجمع البيان في البيان المتقدم.
والمتيقن من معانيها - كما عرفت - أن هذه الأصناف من الأنعام كانت في الجاهلية محررة نوعاً من التحرير ذات أحكام مناسبة لذلك كحماية الظهر وحرمة أكل اللحم وعدم المنع من الماء والكلأ، وأن الوصيلة من الغنم والثلاثة الباقية من الإِبل.
وفي المجمع: روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم "أن عمرو بن لُحي بن قمعة بن خندف كان قد ملك مكة، وكان أول من غيّر دين اسماعيل، واتخذ الأصنام ونصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي"
]. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" ، ويروى يجر قصبه في النار.
أقول: وروي في الدر المنثور هذا المعنى بعدة طرق عن ابن عباس وغيره.
وفي الدر المنثور أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعرف أول من سيب السوائب، ونصب النصب، وأول من غير دين إبراهيم، قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: عمرو بن لحي أخو بني كعب لقد رأيته يجر قصبه في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه.
وإني لأعرف من نحر النحائر، قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: رجل من بني مدلج كانت له ناقتان فجذع آذانهما وحرم ألبانهما وظهورهما وقال: هاتان لله، ثم احتاج إليهما فشرب ألبانهما وركب ظهورهما.
قال: فلقد رأيته في النار، وهما يقصمانه بأفواههما ويطئانه بأخفافهما"
]. وفيه: أخرج أحمد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي الأحوص، عن أبيه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقان من الثياب فقال لى: "هل لك من مال؟ قلت: نعم، قال: من أيّ المال؟ قلت: من كل المال: من الإِبل والغنم والخيل والرقيق قال: فإذا آتاك الله فلير عليك.
ثم قال: تنتج إبلك رافية آذانها؟ قلت: نعم وهل تنتج الإِبل إلاَّ كذلك؟ قال: فلعلك تأخذ موسى فتقطع آذان طائفة منها، وتقول: هذه بحر، وتشق آذان طائفة منها وتقول: هذه الصرم؟ قلت: نعم، قال: فلا تفعل إن كل ما آتاك الله لك حل، ثم قال: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام"