السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
يهود خيبر كانوا يمثِّلون الخطر الثاني بعد قريش وحلفاء قريش، فهم ممَّن كان قد أمدَّ الأحزاب يوم الخندق بالسلاح والعتاد والمال والمؤن، وكانوا قد تحالفوا مع يهود بني قريظة ويهود بني قينقاع ويهود بني النضير الذين استطاع الرسول (ص) إجلاء بعضِهم وهزيمة آخرين، فاستراح من شرِّ يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة الذين كانوا أقرب إلى المدينة من يهود خيبر، لكنَّ خيبراً كانت أكثر تحصُّنًا، وكان عدد يهود خيبر فيها أكثر، وكلُّ مَن هرب أو أنَّ الكثير ممَّن هرب من فرسان ورجال اليهود قد لجأ إلى تلك الحصون، فيهود خيبر كانوا يمثِّلون الخطرَ الأكبر بعد قريش على دولة الإسلام، وكانوا قد أعدُّوا عدَّة، لأنَّهم شعروا بأنَّ المواجهة مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم قدرٌ محتوم، لابدَّ وأنَّه سوف يتحقَّق يومًا ما، لذلك فقد أعدُّوا العدَّة، فتزوَّدوا بالكثير من المُؤن من الشعير، والتمر والماشية وغيرها من المُؤن داخل حصونهم، واستوردوا الكثير من السلاح من الشام وغير الشام، واجتمعت عندهم الكثيرُ من الأسلحة بعد هزيمة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، وكانوا من أهل رؤوس الأموال كما تعلمون.
وكما هو شأنُ اليهود في على امتداد تاريخهم، فكانوا يستثمرون هذه الأموال في استجلاب السلاح والعتاد استعدادًا لمواجهة الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم وكانوا قد تحالفوا مع بقايا القبائل العربيَّة التي لم تدخل في الإسلام-وهي عديدة وكثيرة- وعلى رأسهم قبيلة غطفان التي كان يربو تعداد فرسانها على عشرة آلاف، فخطرُ يهود خيبر والقبائل العربيَّة المتحالفة معهم بعد تحييد قريش كان خطرًا كبيرًا.
لذلك لم يجد الرسول (ص) بدًا من مواجهة يهود خيبر، وكان يهود خيبر يفضِّلون أن تكون المعركة عند حصونهم، ذلك لأنَّ حصونهم كانت منيعة، وكانت بها شرفٌ وسطوح يتمكنون بها من مواجهة المسلمين من العلو ومن تلك الشرف، والمسلمون من الخارج، فيرمونهم بالجزل والحجارة والسهام والنبل والنار، ولا يستطيع المسلمون مقاومة كلِّ ذلك.
على أنَّ حصارهم الذي كانوا يتوقعونه لن يضيرهم -بحسب تقديراتهم- بل سيضير المحاصرين، فالمحاصِرون هم المحاصَرون بحسب تقييمهم، لأنَّ المحاصرين سوف يكونون في العراء تحت أشعةِ الشمس، وستكونُ مؤنُهم محدودةً لأنَّهم سيكون بعيدين عن ديارهم فسيشقُّ عليهم نقل ما يكفي لمدَّةٍ طويلة، وسيكون التزوُّد معسورًا لبعد المسافة، وذلك بحسب تقديرهم سوف يدخل الوهن عليهم ويضعفهم عن القدرة على الاستمرار في حصارهم لمدةٍ طويلة، وفي المقابل كان اليهود مستعدين للحصار لمدة طويلة جدًا لا يقوى جيشٌ على الصبر عليها، وهو خارج الحصون في صحراء قاحلة يؤتى بالماء من مكانٍ بعيد ولا يستطيع أن يتزود إلا بعد مشقة وعناء.
كل هذه الحسابات كانت تقتضي بنظر اليهود استدراج المسلمين لتكون المواجهة قريبة من حصونهم، ثم أنهم قد خندَّقوا الحصون من خارجها وخندَّقوا الحصون من داخلها، فعلى المسلمين أن يتجاوزوا الخنادق التي هي على أطراف حصون خيبر، ثم إذا تجاوزوها واستطاعوا فتح أبواب الحصون فعليهم أنْ يتجاوزوا الخنادق التي بين أبواب الحصون وبين مواقع سكنى ومواقع صفوف جيش اليهود.
فالمعركة كانت في غاية الصعوبة والخطورة ولكنَّ الرسولَ (ص) إنَّما أقدم عليها لأنَّها كانت ملحَّة، ولم يكن بدٌ منها، فكان ذلك بأمر الله عزَّ وجلَّ وقد وعده -ووعده صادقٌ لا يتخلَّف- أن يغنمه خيبر، وهذا الذي وقع.
منقول بتصرف .
المصدر: مركز الهدى للدراسات الإسلامية ، شيخ محمد صنقور .