قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ. الشورى (51)، فما هو تفسير (من وراء حجاب) ونحن نعلم أنّ الله تعالى ليس بجسم أو مادة ليكون وراء حجاب؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يقول صاحب الميزان الجزء ١٨ ص ٣٨: فقوله : "وحيا" - والوحي الإشارة السريعة على ما ذكره الراغب - مفعول مطلق نوعي وكذا المعطوفان عليه في معنى المصدر النوعي ، والمعنى : ما كان لبشر أن يكلمه الله نوعا من أنواع التكليم إلا هذه الأنواع الثلاثة أن يوحي وحيا أو يكون من وراء حجاب أو أن يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء.
ثم إن ظاهر الترديد في الآية بأو هو التقسيم على مغايرة بين الأقسام وقد قيد القسمان الأخيران بقيد كالحجاب ، والرسول الذي يوحي إلى النبي ولم يقيد القسم الأول بشيء فظاهر المقابلة يفيد أن المراد به التكليم الخفي من دون أن يتوسط واسطة بينة تعالى وبين النبي أصلا ، وأما القسمان الآخران ففيهما قيد زائد وهو الحجاب أو الرسول الموحي وكل منهما واسطة غير أن الفارق أن الواسطة الذي هو الرسول يوحي إلى النبي بنفسه والحجاب واسطة ليس بموح وإنما الوحي من ورائه.
فتحصل أن القسم الثالث "أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء" وحي بتوسط الرسول الذي هو ملك الوحي فيوحي ذلك الملك بإذن الله ما يشاء الله سبحانه قال تعالى : "نزل به الروح الأمين على قلبك" : الشعراء : ١٩٤ ، وقال : "قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله" : البقرة : ٩٧ ، والموحي مع ذلك هو الله سبحانه كما قال : "بما أوحينا إليك هذا القرآن" : يوسف : ٣.
وأما قول بعضهم : إن المراد بالرسول في قوله : "أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء" هو النبي يبلغ الناس الوحي فلا يلائمه قوله : "يوحي" إذ لا يطلق الوحي على تبليغ النبي.
وإن القسم الثاني "أو من وراء حجاب" وحي مع واسطة هو الحجاب غير أن الواسطة لا يوحي كما في القسم الثالث وإنما يبتدىء الوحي مما وراءه لمكان من ، وليس وراء بمعنى خلف وإنما هو الخارج عن الشيء المحيط به ، قال تعالى : "و الله من ورائهم محيط" : البروج : ٢٠ ، وهذا كتكليم موسى (عليه السلام) في الطور ، قال تعالى : "فلما أتاها نودي من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة" : القصص : ٣٠ ، ومن هذا الباب ما أوحي إلى الأنبياء في مناماتهم.
وإن القسم الأول تكليم إلهي للنبي من غير واسطة بينة وبين ربه من رسول أو أي حجاب مفروض.
ودمتم في رعاية الله