السلام عليكم
أنا بنت عمري 25 سنة، تعرضت في طفولتي للتنمر من قبل اقربائي (أهل أمي) ومنذ الطفولة وهذه اللعنة لا تفارقني ولا أستطيع نسيان الاستهزاء والتنمر الذي كنت أتعرض له، لدرجة إني يومياً قبل النوم أبقى أفكر بكلامهم لحد تتلف اعصابي وأتعب ثم أنام.
هل سيحاسبهم الله؟
وما هو حسابهم؟
علما أن والدتي كانت تسمع وترى ولم تحرك ساكن، فهل تتحاسب مثلهم أم لا؟
وعليكم السلام ورحمة اللّٰه وبركاته
أهلاً بكم في تطبيقكم المجيب
حياكِ الله -ابنتي الكريمة- ذاك الزمن ولّى وانتهى، فلا تفكري فيه، وليس من الصحيح إطلاقاً أن تبقي محكومة لذكرياته.
بل عليكِ باليوم الذي تعيشينه فإن خلا من منغصات الماضي فاحمدي اللّٰه عليه، وفكري بما ينفعكِ في حاضركِ، وانظري الى الحياة بتفاؤل، وانطلقي بكل طاقتكِ، فالحياة قصيرة، وقائمة المطالب طويلة.
وأما الأشخاص الذين تنمروا عليكِ سيحاسبون عليه إذا لم تغفري لهم.
قال تعالى في قرآنه المجيد: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ (الهمزة: ١)
وقال في آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات: ١١).
وقال أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: ١٣).
وقال في آية رابعة: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (التوبة: ٧٩)
وسخرية الناس بعضهم من البعض الآخر على أشكال:
١- السخرية باللقب :
قد يقترن أسم شخص باسم مضحك، أو صفة غريبة نتيجة لحادث، أو لموقف معين فيتحول ذلك الاسم إلى لقب له رغم تسببه لحرج شديد لشخصيته وهي ما عبر عنه القرآن ( ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) [ الحجرات: 11] . فإن التلفظ بالألقاب بقصد الإساءة للآخرين، وجعلهم مثاراً للسخرية والضحك من أسوء العادات التي أبتلي بها المجتمع الإسلامي .
2 ـ السخرية بالفقر :
من السنن الإلهية في الخلق أن أعطى الله البعض نعمة وحرِم البعض الآخر منها، وجعلهم على مستويات متباينة ودرجات متفاوتة؛ ليمحص إيمانهم ويبتلي صبرهم وحمدهم ،وجعل من مظاهر هذا التفاوت الغنى والفقر، ولم يجعل ذلك مقياساً لتقوى المرء وإيمانه. فكم من فقير هو في قمة الإيمان والزهد ، وكم من غني هو في قمة الانحطاط والرذيلة؛ لذا رفض الإسلام أن نجعل الفقر مثارا للسخرية بالمؤمنين بسبب سوء الملبس، أو المسكن أو المأكل ، وشدد بالوعيد على من يفعل ذلك قال رسول الله (ص) : ( من أستذل مؤمناً، أو مؤمنة، أو حقره لفقره، أو قلة ذات يده شهره الله تعالى يوم القيامة ثم يفضحه ) [بحار الانوار ج72 ص44].
ومما قاله لقمان لأبنه وهو يعظه : ( يا بني لا تحقرن أحداً بخلقان ثيابه، فإن ربك وربه واحد ) [بحار الأنوار ج72 ص47].
3 ـ السخرية بالخلقة :
لما خلق الله الخلق جعل بينهم فوارق، وتمايز لحكمة لديه، فتجد هناك الأسود والأبيض ، والأعرج والصحيح ، والمبصر والبصير ، وهناك الهزيل والسمين ، والطويل والقصير وغيره من الصفات التي يتفاوت البشر بها إلا أنها لا تفصح عن مكنونات النفس، وخفايا القلب. ومن جعل ذلك النقص ذريعة لاستنقاص المؤمنين والسخرية منهم فهو بعيد كل البعد عن رابطة الإسلام، وغير مدرك بحقيقته ، وفي التاريخ الإسلامي عبرة بالغة بذلك وإليك بعض النماذج:
يقال رأى بعض الصحابة ساق عبد الله بن مسعود فضحكوا عليها . فبلغ ذلك رسول الله، فقال: أتهزؤون منه إنها في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل اُحد.
ويذكر أبن المبارك إن المطر أنقطع عن أهل المدينة فكان الناس، يخرجون للاستسقاء، فلا يسقون، يقول: فخرجت يوماً فإذا بعبد أسود نحيف بجواري رفع يده إلى السماء، وأقسم على رب العزة أن ينزل المطر فما استتم دعائه حتى سقط المطر من لحظته، فتتبعته فرأيته يدخل سوق النخاسة، فاشتريته فلما كنا في الطريق سألته عما بلغه من تلك المنزلة، فارتعب وقال: ائذن لي أن أصلي ركعتين فصلى ثم رفع يده وقال: اللهم إن السر الذي بيني وبينك قد أنكشف فأقبض إليك روحي، فمات من ساعته.
حفظكِ الله وأبعد عنكِ كل مكروه.