موانع الخشوع:
من الموانع والعوائق التي تقف حائلاً ومانعاً عن الإحساس بالخشوع والذوبان الروحي في الصلاة هي الغرق في عالم الماديات والغفلة والتغافل عن التذكّر بين يديَّ الله ـ تبارك اسمه ـ وبالتالي يُلقي بظلاله سلباً على تحصيل الاستعداد والتهيؤ لـ (لقاء) رب الأرباب جبار السموات والأرض.
وقد قال أحد العارفين: وإذا نبتت في قلب المرء المصلي شجرة الأمل وحُب زخرف الدنيا الدنية، وبقيت قائمةً سيكون القلب بمثابة طائر متنقل على أغصانها في طيرانه، فلا بد للعاقل المتعقل ترك هذه الشجرة بالرياضة الروحية والمجاهدة والتفكُّر بتبعات ومثالب وعواقب ذلك بعدها سيصبح القلب ساكناً ومطمئناً، وسيحصل للعبد حضور القلب يُضاف لذلك ضرورة تصور أن النفس كالطفل يتعيَّن ويتحتم تلقينها الذكر وإدخال الكلام إلى ذهنه، وتلقينه حتى تكون لهُ القدرة على لفظه والنطق به، والقلب كذلك يحتاج وبالمداومة والاستمرارية والاشتغال بتعليم قلبه فالظاهر يمد الباطن؛ وهكذا ينفتح القلب، وينطلق كـ (لسان الطفل) وبالتالي يتحقق الاتحاد بين باطن المرء وظاهره، ويظهر النشاط والبهجة في الإنسان وبالمواظبة والحرص على ذلك والابتعاد عن جميع الأمور والمسائل التي تشتت الحواس في الصلاة والأذكار والأدعية سيتحوَّل ذلك إلى عادة وملكة في النفس وكما يقول الشاعر:
والنفس كالطفل إن تتركهُ شب على حُب الرضاع وإن تفطمهُ ينفطمِ.
المؤثرات الداخلية على المُصلي:
المؤثرات الداخلية التي على روح المصلي كثيرة يمكن ذكر بعضها:
١- الانشغال في الدنيا: الوساوس الشيطانية، إذ يوسوس الشيطان للنفس بتحريك الأماني الكاذبة والأمنيات المتلاشية والوعود الزائفة والتعلُّق الشديد والأعمى بحطام الدنيا الزائف وتذكَّر المواقف الحزينة مثل وفاة شخص عزيز والقضايا المؤسفة التي مرت عليه مثل فساد زرع أو خسارة تجارة أو فشل في الدراسة أو وقوع طلاق بين زوجين، فيُصيب المُصلي الحزن والاشتغال، فيتوَّلد بذلك حاجزاً يمنعهُ من الوصول إلى مرتبة الخشوع وكما جاء في حديث المصطفى (صلى الله عليه وآله): "الصلاة معراج المؤمن" فلا يتحقق العروج والتسامي الروحي في حضرة القُدس الإلهي، فيتذكَّر المصلي أحياناً معاملاته التجارية في السوق، من بيع وشراء ودفع واستلام الأموال وحساب الديون والتكاليف والأرباح، والتوسع في التجارة وتطوير عمله، وماهية السبل والمُقدمات لذلك، وعموم الكلام في التفكير بالماديات والانغماس فيها، كما لو سقط إنسان في مستنقع ويا له من مستنقع إذ سيبتلعهُ ويختفي فيه. هذا كله وربما أكثر يأتي ويدخل في ذهن المُصلي سريعاً؛ لأنه فتح الباب على مصراعيه لحديث النفس والشيطان، فلا بد من تهيئة الذات والتحصن والاستعاذة من الوساوس قبل الولوج في الصلاة، إذن لا بد من الحذر الشديد من السقوط في مستنقع الماديات فالجانب المادي يتناسب عكسياً مع الجانب الروحي، فكلما رجحت كفة الاهتمام بالماديات، وثقلت، خفت (أو انعدمت) كفة الروحانيات.
2- الذنوب والمعاصي: ارتكاب الذنوب والتمادي في المعاصي يثقل القلب ويمنعه من الوصول إلى حالة الخشوع.
3- الرياء: القيام بالصلاة من أجل أن يراه الناس وليس خالصاً لله، يبعد القلب عن الخشوع.
4- قلة التدبر في معاني الصلاة: عدم التفكير في معاني الآيات والأذكار التي تُقال في الصلاة يؤدي إلى أداء الصلاة بشكل آلي دون حضور قلبي.
5- ضعف الإيمان: ضعف الإيمان بالله والآخرة يجعل الإنسان غير مهتم بالخشوع في صلاته.
* مؤثرات خارجية أيضاً:
وهناك أيضاً مؤثرات خارجية تنعكس تبعاتها على المُصلي:
١- الضوضاء والجلبة والأصوات العالية، وحديث بعض الأفراد، والناس سواء أكان ذلك في البيت إذا كان مكتظاً بأهله أو عند الضيوف، أو من خلال تشغيل جهاز التلفاز أو المذياع أو أجهزة تسجيل صوتية وغيرها.
٢- البيئة غير المناسبة: الصلاة في مكان غير نظيف أو غير مريح يمكن أن يعيق الخشوع، وكذلك الألوان والرسوم والزخارف والنقوش، التي قد يقع نظر المصلي عليها، ربما تقوده للاشتغال بها سواء أكانت على الجدار أو الفراش أو سجادة الصلاة.
٣- المقاطعات: التعرض للمقاطعات من الآخرين أثناء الصلاة يعيق التركيز ويمنع الخشوع.
٤- الملابس غير المناسبة: ارتداء ملابس غير مريحة أو غير لائقة يمكن أن يشغل المصلي عن الخشوع.
فالابتعاد عن المؤثرات الخارجية يكون عوناً في ارتقاء المصلي إلى مرحلة الخشوع في الصلاة التي تجعل الإنسان العابد محبا ومتشوقا للصلاة لما رآه من استلذاذ روحه بها.
كيف يحضر القلب؟
والأصل في حضور القلب في الأعمال، هو تعظيم القلب لذلك العمل وعدَّهُ مهماً، فلو أبدى وأعطى المُصلي مناجاته للحق سبحانه، قدراً وأهميةً ومكانةً بما يوازي حديثه ومكالمته ونجواه لأحد المخلوقين لما وصل إلى هذا المقدار من الغفلة والسهو والنسيان.
وعندما نقرأ قوله تعالى (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى)، (طه: 17- 18) فإن الله لمَّا سأل موسى (على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام) عن العصا، فهذا السؤال لا يستلزم جهلاً أو نقصاً في علم الله ـ تعالى ـ إذ إن المقصود من السؤال هو تعظيم شأن وأمر العصا، وعندما أجاب موسى بقوله (قال هي عصاي) لم يتوقف، بل استمر في حديثه (.. أتوكأ عليها ... المزید.)؛ لأنه أحسن بلذيذ المناجاة مع الله ـ عزَّ وجل ـ وأراد أن ينهل أكثر فأكثر من تلك اللذة الروحية.
فيمكن أن نحصل على حضور القلب و الخشوع من خلال التركيز على الطرق التاليه:
طرق تحقيق الخشوع:
١- التوبة والاستغفار: من خلال الابتعاد عن الذنوب والمعاصي، والتوبة منها باستمرار يساعد في تطهير القلب والوصول إلى الخشوع.
٢- التدبر في معاني الصلاة: التفكر في معاني الآيات والأذكار والتفكر في عظمة الله.
٣- اختيار المكان المناسب: اختيار مكان هادئ ونظيف وخالٍ من الملهيات لأداء الصلاة.
٤- الاستعداد النفسي: التحضير النفسي قبل الصلاة من خلال تهيئة النفس واستحضار نية الصلاة بخشوع.
٥- الدعاء والتوسل إلى الله: طلب العون من الله على تحقيق الخشوع في الصلاة من خلال المناجاة والتوسل قبل الصلاة.