logo-img
السیاسات و الشروط
Baneen Ail ( 21 سنة ) - العراق
منذ سنتين

التوبه

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته عندما يذنب الشخص ذنباً ويرجع يتوب وبعد مدّة يذنب ويرجع يتوب وهكذا فهو كل مّا يذنب يتوب فهل يعتبر هذا استهزاء بالله تعالي مع أنّ الروايات الشريفة تحث على التوبة وعدم اليأس ولكن نفسي تحدثني غير ذلك بأنّ الله تعالى لا يريدني فما هي نصيحتكم لي وهل يعتبر هذا ابتعاد عن الله تعالى وانا مطرود من رحمته؟


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يحرم على الانسان ارتكاب وفعل الذنوب، وكذا البقاء على الذنوب دون هجرها والتخلص منها، ويجب عليه بسببها التوبة والرجوع إلى الله تعالى، وخير الناس العبد التائب، وخيرهم التوابون الذين يذنبون ويرجعون إليه، ولذلك الأصل الذي لابد أن يكون عليه الإنسان هو التوبة دائماً، وخصوصاً كلّما أحدث ذنباً، وخالف منهج الحق المتعال. هذا، ولكن هناك من يصرع نفسه مرة، وأخرى تصرعه وتغلبه شهوته، حتى تجده مرة يقوم ومرة يسقط، وهو مع ذلك يدخل عليه الشيطان بلباس الخشية، حتى يحدّثه، فيقول له أنت مذنب وذنوبك كثيرة، ولقد تعديت حدود الأدب مع الله تعالى، وفعلك هذا هو سخرية بنفسك، بل وسخرية بربك!!! لأنك تتوب، وسرعان مّا تذنب؟ أليس هذه عين الوقاحة مع الله تعالى!!! حتى يستخلص كلامه مع ذلك المبتلى ويقول له: أنا أنصحك أن تترك التوبة إلى حين ما تجد نفسك مهيئ للتوبة.… وهذا كلام قبيح من الشيطان الرجيم نستجير بالله منه، ونتقوى عليه بالله العلي العظيم. وهنا نجعل كلامنا في مقامين: المقام الأول: ونتكلم عن علاج أصل الذنوب: علاج المشكلة من أصلها خير من الانتقال للكلام والبحث عن الطرق البديلة، أو الكلام عن مثل المقام الثاني، وعليه، لابد من معالجة أصل الوقوع في الذنب والمعصية، وهنا ينبغي تشخيص المشكلة وبيان العلاج، فنقول: ما هو سبب الذنوب؟؟ والجواب: أنّ سبب الذنب نابع من مصدر معين، فهي إمّا من الغضب، أو من الشهوة، أو من القوة الواهمة المتخيلة التي تسمى بالشيطانية، وهذه أمهات لجنود كثيرة وفروع متعددة، تكون منها المعصية، وهنا لابد من معرفة السبب الذي تكون منه المعصية حتى يمكن العلاج، وينفع الدواء!! وهناك سبب مركوز في النفس، أنّها تميل بسهولة وبيسر إلى فعل الذنب، دون أن تستجيب لنداء الضمير، ونور الإيمان المودع في النفس في ترك فعل الذنب والرجوع إلى رب الأرباب، ولذلك عندما تقهر الشهوةُ نور الإيمان والضمير، وتغلبه، يبقى الضمير ونور الإيمان يلومه ويؤنبه ويذيقه لوعة الألم والضيق النفسي بسبب المعصية التي ارتكبها، حتى يجد كأن نفسه تنازع الموت من تحرقها وألمها من المعصية التي وقعت، إذن النفس ضعيفة، أو نحن نضعّفها أمام المعصية ونسلس المقود للنفس الأمارة بالسوء، حتى هي تسرح وتمرح!!؟ وهنا، يجب العمل بما يلي: ١- الالتزام بأوقات الصلاة، ونقوم معها بقراءة القرآن يومياً ولو ورقة واحدة من القرآن، ونقرأ الأدعية والمناجاة من الصحيفة السجادية على من تجلت منه ألف تحية وسلام، ونضيف إلى ذلك، المداومة على قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكذا الاستغفار يومياً. ٢- بعدما شخصنا سبب الذنب، وشخصنا الوقت والمكان والحالات التي يكون منها وفيها ومعها وبسببها الذنب، لابد من الانتقال والهروب منها إلى ساحة الطاعة، أو لا أقل إلى ما أباحه الله تعالي، كمثل تغيير المكان أو الوقت أو الصديق أو ما شابه ذلك، حتى نتخلص من الذنب إلى بديل لا يُهيّج النفس لتدعو صاحبها إلى الذنب، ويمكن خداع النفس بالمباح والحلال حتى تنشغل به عن الحرام. ٣- لما يكون الذنب بقيام الجسد بذلك الفعل، وسبب حركة الجسد هو دافع النفس وإرادتها وغرورها وتسويلات الشيطان، وهي كانت بسبب مّا عقد في النفس من معلومات ومعارف وما شابه ذلك مما يُعدّ عقيدة لنفس الشخص، والذي قد لا يكون من عقيدة الشرع، بل قناعات الشخص الذاتية، وهنا لابد من تغيير المنظومة المعلوماتية والمفاهيمية والعقيدية التي عقدت عليها النفس، وكانت الأفعال بسببها، إلى منظومة علمية عقلية معرفية صالحة وقوية ورصينة، تحب الطاعة وتبغض المعصية، ولذلك، لابد من تقوية الإدراكات العقلية حتى تجد نفسك تكره المعصية وتمجها وترفضها ولا تفكر بها كمثل رفضك وإنكارك وعدم تفكيرك بأكل العذرة والجيفة، هكذا لابد أن تكون المعصية في النفس، وإن كانت حقيقتها ذلك، قذارة ودنس. ٤- ولعل أحدى الطرق النافعة والناجعة في تطهير وتقوية النفس، وتساعدها على الرقي والعروج الالهي ونيل الثواب والقرب الالهي فوق ذلك كلّه، هو إستحضار الوجود المقدس للزهراء عليها السلام، والسلام عليها، والتحدث معها، ولكن بشرط أن يكون في الصباح والمساء، وكذا ما بينهما، ومن ذلك أيضاً التوجه إلى ولي النعمة ولي العصر والزمان عليه السلام بقلب منكسر ودموع جارية، وبحال عبدٍ فقير آبق راجعٍ إلى سيّده، ويقول له بلسان الحال والمقال: سيدي يابن الزهراء عليها وعليك السلام، أنا عبدكم الذي أرهقته المعاصي وآلمته الذنوب، وأنا والله أقسم لكم قسم صدق إنّني أحبكم وأهواكم، ولكن نفسي الأمارة ترديني بكثرة شهواتها وغفلتها… مولاي ليس لي حول وعون وقوة فأعني وخذ بيديّ، سيدي أقسم عليك بحق أمك الزهراء عليها السلام أن تأخذ بيدي وتصلح حالي وشأني وتجعلني كما تريد… وتستمر بهذه المناجاة مع الامام وترفقها بدمعات قلب منكسر، فعسى أن يفتح لنا باب القبول والدخول في حرمه القدسي. المقام الثاني: ونتكلم عن التوبة، والذنب بعد التوبة، فقد ورد في أخبار داود (عليه السلام): إن الله عز وجل أوحى إليه: يا داود! إنّي خلقت قلوب المشتاقين من رضواني، ونعمتها بنور وجهي ... المزید فقال داود: يا رب! بم نالوا منك هذا؟ قال: بحسن الظن، والكف عن الدنيا وأهلها، والخلوات بي ومناجاتهم لي، وإن هذا منزل لا يناله إلا من رفض الدنيا وأهلها، ولم يشتغل بشئ من ذكرها، وفرغ قلبه لي واختارني على جميع خلقي، فعند ذلك أعطف عليه فأفرغ نفسه له، وأكشف الحجاب فيما بيني وبينه، حتى ينظر إلي نظر الناظر بعينه إلى الشيء. - وورد أيضا: يا داود! لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم، ورفقي بهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لماتوا شوقا إلي وتقطعت أوصالهم من محبتي. ومن هذا الحديث ومن غيره نفهم، إنّ المولى الحق يحب رجوع العبد اليه، ويكره ويرفض الهروب منه، ويحب التوبة وترك المعاصي، ويحرم اليأس منه والقنوط من رحمته حتى جعلها من الكبائر، بل ويحب العبد الذي كلما صدر منه الذنب تاب إلى الله تعالى. وعليه؛ من جميع ما تقدم نقول لكم: عليكم بالنظر والتأمل بالجمال الذي يكون مكنوناً في نفوسكم، ومركوزاً في قلبكم، وانظروا إلى النور الذي يبدوا كبصيص أمل من فج عميق في داخلكم، فانظروا كم دمعة حنّت إلى محبة الرجوع إلى الأصل الذي جاءت منه بإنا لله وإنا إليه راجعون، وانظروا إلى شدّت هيجان قلوبكم عندما تتفاعل مع مقاطع الزيارة والدعاء والمناجاة كم هي تلوع إلى محفل أهل الله تعالى من المعصومين عليهم السلام. والحمد لله وحده، ونسأله أن يفتح لنا مسامع قلوبنا وأبصارنا ويأخذ بأيدينا للوصول اليه.