سلام عليكم
مّا تفسير الآيات الكريمة من سورة التوبة: (وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون - 125 أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون - 126. وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون - 127. لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم - 128. فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم - 129)؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جاء في تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ٩ - الصفحة ٤١٠_٤١٣: (وأما الذين في قلوبهم مرض وهم أهل الشك والنفاق (فزادتهم رجسا إلى رجسهم) أي ضلالا جديدا إلى ضلالهم القديم وقد سمى الله سبحانه الضلال رجسا في قوله: (ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) الانعام: 125 والمقابلة الواقعة بين (الذين آمنوا) و (الذين في قلوبهم) مرض يفيد ان هؤلاء ليس في قلوبهم إيمان صحيح وإنما هو الشك أو الجحد وكيف كان فهو الكفر ولذلك قال (وماتوا وهم كافرون). والآية تدل على أنّ السورة من القرآن لا تخلو عن تأثير في قلب من استمعه فإن كان قلباً سليماً زادته إيمانا واستبشاراً وسروراً، وإن كان قلباً مريضاً زادته رجساً وضلالاً نظير مّا يفيده قوله تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) اسرى: 82.
قوله تعالى: (أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين) الآية الاستفهام للتقرير أي ما لهم لا يتفكرون ولا يعتبرون وهم يرون أنهم يبتلون ويمتحنون كل عام مرة أو مرتين فيعصون الله ولا يخرجون من عهدة المحنة الإلهية وهم لا يتوبون ولا يتذكرون ولو تفكروا في ذلك انتبهوا لواجب أمرهم وأيقنوا ان الاستمرار على هذا الشأن ينتهى بهم إلى تراكم الرجس على الرجس والهلاك الدائم والخسران المؤبد.
قوله تعالى: (وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد) الآية وهذه خصيصة أخرى من خصائصهم وهى أنهم عند نزول سورة قرآنية - ولا محالة هم حاضرون - ينظر بعضهم إلى بعض نظر من يقول: هل يراكم من أحد، وهذا قول من يسمع حديثاً لا يطيقه ويضيق بذلك صدره فيتغير لونه ويظهر القلق والاضطراب في وجهه فيخاف أن يلتفت إليه ويظهر السر الذي طواه في قلبه فينظر إلى بعض من كان قد أودعه سره وأوقفه على باطن أمره كأنه يستفسره هل يطّلع على مّا بنا من القلق والاضطراب أحد؟
فقوله: (نظر بعضهم إلى بعض) أي بعض المنافقين، وهذا من الدليل على أن الضمير في قوله في الآية السابقة: (فمنهم من يقول) أيضا للمنافقين، وقوله:
(نظر بعضهم إلى بعض) أي نظر قلق مضطرب يحذر ظهور امره وانهتاك ستره، وقوله: (هل يراكم من أحد) في مقام التفسير للنظر أي نظر بعضهم إلى بعض نظر من يقول: هل يراكم من أحد؟ ومن للتأكيد وأحد فاعل يراكم.
وقوله: (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون) ظاهر السياق ان المعنى ثم انصرفوا من عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حال صرف الله قلوبهم عن وعى الآيات الإلهية والايمان بها بسبب انهم قوم لا يفقهون الكلام الحق فالجملة حالية على ما يجوزه بعضهم.
وربما احتمل كون قوله: (صرف الله قلوبهم) دعاء منه تعالى على المنافقين، وله نظائر في القرآن، والدعاء منه تعالى على أحد إيعاد له بالشر.
قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) العنت هو الضرر والهلاك، وما في قوله: (ما عنتم) مصدرية التأويل عنتكم، والمراد بالرسول على ما يشهد سياق الآيتين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد وصفه بأنه من أنفسهم والظاهر أن المراد به انه بشر مثلكم ومن نوعكم إذ لا دليل يدل على تخصيص الخطاب بالعرب أو بقريش خاصة، وخاصة بالنظر إلى وجود رجال من الروم وفارس والحبشة بين المسلمين في حال الخطاب.
والمعنى لقد جاءكم أيها الناس رسول من أنفسكم، من أوصافه انه يشق عليه ضركم أو هلاككم وأنه حريص عليكم جميعا من مؤمن أو غير مؤمن، وأنه رؤوف رحيم بالمؤمنينمنكم خاصة فيحق عليكم ان تطيعوا امره لأنه رسول لا يصدع إلا عن أمر الله، وطاعته طاعة الله، وان تأنسوا به وتحنوا إليه لأنه من أنفسكم، وان تجيبوا دعوته وتصغوا إليه كما ينصح لكم.
ومن هنا يظهر أن القيود المأخوذة في الكلام من الأوصاف أعني قوله (رسول) و (من أنفسكم) و (عزيز عليه ما عنتم) الخ، جميعها مسوقة لتأكيد الندب إلى إجابته وقبول دعوته، ويدل عليه قوله في الآية التالية: (فان تولوا فقل حسبي الله).
قوله تعالى: (فان تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) أي وان تولوا عنك وأعرضوا عن قبول دعوتك فقل حسبي الله لا إله إلا هو أي هو كافى لا إله إلا هو.
فقوله: (لا إله إلا هو) في مقام التعليل لانقطاعه من الأسباب واعتصامه بربه فهو كاف لا كافى سواه لأنه الله لا إله غيره، ومن المحتمل ان تكون كلمة التوحيد جئ بها للتعظيم نظير قوله: (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه) البقرة: 116.
وقوله: (عليه توكلت) وفيه معنى الحصر تفسير يفسر به قوله: (حسبي الله) الدال على معنى التوكل بالالتزام، وقد تقدم في بعض الأبحاث السابقة ان معنى التوكل هو اتخاذ العبد ربه وكيلا يحل محل نفسه ويتولى تدبير أموره أي انصرافه عن التسبب بذيل ما يعرفه من الأسباب، ولا محالة هو بعض الأسباب الذي هو علة ناقصة والاعتصام بالسبب الحقيقي الذي إليه ينتهي جميع الأسباب.
ومن هنا يظهر وجه تذييل الكلام بقوله: (وهو رب العرش العظيم) اي الملك والسلطان الذي يحكم به على كل شئ ويدبر به كل أمر.
وانما قال تعالى: (فقل حسبي الله) الآية ولم يقل: فتوكل على الله لارشاده إلى أن يتوكل على ربه وهو ذاكر هذه الحقائق التي تنور حقيقة معنى التوكل، وان انظر المصيب هو ان لا يثق الانسان بما يدركه من الأسباب الظاهرة التي هي لا محالة بعض الأسباب بل يأخذ بما يعلمه منها على ما طبعه الله عليه ويثق بربه ويتوكل عليه في حصول بغيته وغرضه.
وفي الآية من الدلالة على عجيب اهتمامه صلى الله عليه وآله وسلم باهتداء الناس مّا ليس يخفى فإنّه تعالى يأمره بالتوكل على ربه فيما يهتم به من الأمر وهو ما تبيّنه الآية السابقة من شدّة رغبته وحرصه في اهتداء الناس وفوزهم بالسعادة فافهم ذلك.
دمتم في رعاية الله