السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته
أهلاً بكم في تطبيقكم المجيب
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - الشيخ ناصر مكارم الشيرازي - ج ٣ - الصفحة ٢١٠-٢١٢:
سبب النزول :قال المفسر الشهير الطبرسي (رحمه الله) في " مجمع البيان ": قيل أن أم سلمة (وهي من أزواج النبي (صلى اللّٰه عليه وآله وسلم) قالت: يا رسول اللّٰه يغزو الرجال ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث؟ فليتنا رجال ونغزو ونبلغ ما يبلغ الرجال، فنزلت الآية تجيب على جميع هذه التساؤلات.
ونقرأ في تفسير المنار: إن جماعة من الرجال المسلمين قالوا: نرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء، وقالت جماعة من النساء المسلمات: إنا نرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا، فنزلت الآية.
وقد ذكر سبب النزول هذا بعينه في تفسير " في ظلال القرآن " وتفسير " روح المعاني " مع فارق بسيط.
التفسير :
لقد أوجب التفاوت في سهم الرجال والنساء من الإرث - كما قرأت في سبب النزول - تساؤلاً لدى البعض، ويبدو أنهم لم يلتفتوا إلى أن هذا التفاوت إنما هو لأجل أن النفقة بكاملها على الرجل، وليس على النساء شيء من نفقات العائلة، بل نفقة المرأة هي الأخرى مفروضة على الرجل، ولهذا يكون ما تصيبه المرأة ضعف ما يصيبه الرجل من الثروة، ولهذا قال الله تعالى في هذه الآية: ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، لأن لكل نوع من أنواع هذا التفضيل والتفاوت أسرار خفية عنكم غير ظاهرة لكم، سواء كان التفاوت من جهة الخلقة والجنسية وبقية الصفات الجسمية والروحية التي تشكل أساس النظام الاجتماعي فيكم، أو التفاوت من الناحية الحقوقية بسبب اختلاف الموقع والمكانة كالتفاوت في سهم الإرث، إن جميع أنواع هذا التفاوت قائم على أساس العدل والقانون الإلهي الحكيم، ولو كانت مصلحتكم في غير ذلك لسنه وبينه لكم.
وعلى هذا فإن تمنى تغيير هذا الوضع نوع من المخالفة للمشيئة الربانية التي هي عين الحق والعدالة.
على أنه يجب أن لا نتصور خطأ أن الآية الحاضرة تشير إلى التفاوت المصطنع الذي برز نتيجة الاستعمار والاستغلال الطبقي، بل تشير إلى الفروق الطبيعية الواقعية، لأن الفروق المصطنعة لا هي من المشيئة الإلهية في شئ، ولا أن تمني تغييرها مرفوض وغير صحيح، بل هي فروق ظالمة وغير منطقية يجب السعي في رفعها وإزالتها وتفنيدها، فللمثال: لا يمكن للنساء أن يتمنين أن يكن رجالا، كما لا يمكن للرجال أن يتمنوا أن يكونوا نساء، لأن وجود هذين الجنسين أمر ضروري للنظام الاجتماعي الإنساني، ولكن هذا التفاوت الجنسي يجب أن لا يتخذ ذريعة، لأن يسحق أحد الجنسين حقوق الجنس الآخر، ومن هنا فإن الذين اتخذوا هذه الآية ذريعة لإثبات التمييز الاجتماعي الظالم أو يتصوروها حجة على هذا التمييز قد أخطأوا خطأ كبيرا.
ولذا عقب الله سبحانه على الجملة السابقة فورا بقوله: للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن أي لكل من الرجال والنساء نصيب من سعيه وجهده ومكانته سواء كانت مكانة طبيعية (كالتفاوت والفرق بين جنسي الرجل والمرأة) أو غير طبيعية ناشئة عن التفاوت بسبب الجهود الاختيارية.
إن الجدير بالالتفات هنا هو: إن لكلمة " الإكتساب " التي هي بمعنى التحصيل مفهوما واسعا يشمل الجهود الاختيارية، كما يشمل ما يحصل عليه الإنسان بواسطة بنيانه الطبيعي.
ثم يقول: واسألوا الله من فضله أي بدل أن تتمنوا هذا التفضيل والتفاوت اطلبوا من فضل الله واسألوا من لطفه وكرمه أن يتفضل عليكم من نعمه المتنوعة وتوفيقاته ومثوباته الطيبة، لتكونوا - بنتيجة ذلك - سعداء رجالا ونساء، ومن أي عنصر كنتم، وعلى كل حال اطلبوا واسألوا ما هو خيركم وسعادتكم واقعا، ولا تتمنوا ما هو خيال أو ما تتخيلونه (ولعل التعبير بلفظة " من فضله " إشارة إلى المعنى الأخير).
على أنه من الواضح جدا أن طلب الفضل والعناية الربانية ليس بمعنى أن لا يسعى الإنسان في الأخذ بأسباب كل شئ وعوامله، بل لابد من البحث عن فضل الله ورحمته من خلال الأسباب التي قررها وأرساها في الكون.
إن الله كان بكل شئ عليما أي يعلم ما يحتاج إليه نظام المجتمع وما يلزمه من الفروق سواء من الناحية الطبيعية أو الحقوقية، ولهذا لا وجود للظلم والحيف ولا لأي شئ من التفاوت الظالم والتمييز غير العادل في أفعاله، كما أنه تعالى خبير بما في بواطن الناس من الأسرار والخفايا والنوايا ويعلم من الذي يتمنى الأماني الخاطئة في قلبه، ومن يتمنى الأماني الإيجابية الصحيحة البناءة.
دمتم في رعاية الله