الجواب :
أبو طالب كان مؤمناً موحّداً ومعتقداً بنبوّة ورسالة محمّد صلّى الله عليه وآله ، وكان يظهر إيمانه وإعتقاده من خلال الأشعار الكثيرة ، كقوله عليه السلام :
ولقد علمت بانّ دين محمّد
من خير أديان البريّة دينا
وقوله :
أنت النبي محمّد
قرم أغرّ مسود
لمسوّدين أكارم
طابوا وطاب المحتد
وكقوله في وصيّته :
اوصي بنصر نبيّ الخير أربعة
ابني عليّاً وعمّ القوم عباسا
وحمزة الأسد الحامي حقيقته
وجعفراً ان تذودا دونه الناسا
وكقوله يمدح النبي الأعظم :
لقد أكرم الله النبي محمّداً
إذا كان معاوية صالحاً أو غير فاسد ، فلماذا حاربه الإمام علي عليه السلام في صفين ، وحاربه الإمام الحسن عليه السلام بعد ذلك ؟ وهل يحارب المؤمن الرجل الصالح وغير الفاسد ؟ أم تشكّ في ايمان علي والحسن عليهما السلام وتعتقد بصلاح معاوية ؟
فالإمام الحسين عليه السلام انّما لم يحارب معاوية لأجل مصلحة الإسلام كما فعله أخوه الحسن عليه السلام (1). وكما لم يحارب أمير المؤمنين علي عليه السلام من غصب الخلافة. فانّ وظيفة المؤمن تختلف بحسب اختلاف الحالات والظروف. ومن المعلوم انّ معاوية كان يحفظ الظاهر ولا يعلن بكفره وفسقه وفجوره ، بل قد اتّخذ من قميص عثمان حجّة لكي يظهر حقّانيته ، لكن يزيد كان يعلن بالكفر والفسق والفجور (2). فكان سكوت الحسين عليه السلام وعدم قيامه بالثورة عليه تأييداً للكفر والفسق ، فأراد ان يحفظ الإسلام ولو باستشهاده ومظلوميّته.
الهوامش
1. الإرشاد « للشيخ المفيد » / المجلّد : 2 / الصفحة : 32 / الناشر : دار المفيد / الطبعة : 2 :
ما رواه الكَلبيُّ والمدائنيُّ وغيرُهما من أَصحاب السِّيرةِ قالوا : لمّا ماتَ الحسنُ بنُ عليِّ عليهما السّلامُ تحرّكتِ الشِّيعةُ بالعراقِ وكتبوا إِلى الحسينِ عليهِ السّلامُ في خلعِ معاويةَ والبيعةِ له ، فامتنعَ عليهم وذكرَ أَنَّ بينَه وبينَ معاوية عهداً وعقداً لا يجوزُ له نقضُه حتّى تمضِيَ المُدّةُ ، فإِن ماتَ معاويةُ نظرَ في ذلكَ.
فلمّا ماتَ معاويةُ ـ وذلكَ للنِّصفِ من رجب سنة ستِّينَ منَ الهجرةِ ـ كتبَ يزيدُ إِلى الوليدِ بن عُتْبة بن أَبي سفيانَ ـ وكانَ على المدينةِ من قِبَلِ معاويةِ ـ أَن يأْخذَ الحسينَ عليهِ السّلامُ بالبيعةِ له ، ولا يُرخِّصَ له في التّأخُّرِ عن ذلكَ.
2. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد بن طاووس » / الصفحة : 17 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1 :
فقال : أيها الأمير إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا ختم الله ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، قاتل النفس المحرمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله.
فاكرم خلق الله في الناس أحمد
وشقّ له من اسمه ليجلّه
فذو العرش محمود وهذا محمّد
وكقوله في قصيدة في مدح النبي صلّى الله عليه وآله :
أمين حبيب في العباد مسوّم
بخاتم ربّ قاهر في الخواتم
يرى الناس برهاناً عليه وهيبة
وما جاهل في قومه مثل عالم
نبيّ أتاه الوحي من عند ربّه
ومن قال لا ، يقرع بها سنُّ نادم
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ۳ / ۳۱٤ ، قالوا وقد اشتهر عن عبد الله المأمون انّه كان يقول : أسلم أبوطالب والله بقوله :
نصرتُ الرسول رسول المليك
ببيض تلألأ كلمع البروق
اذبّ واحمي رسول الإله
حماية حام عليه شفيق
وقوله للنجاشي يدعوه إلى الإسلام :
تعلّم خيار الناس انّ محمّداً
وزير لموسى وعيسى بن مريم
أتى بالهدى مثل الذي أتيا به
فكل بأمر الله يهدى ويعصم
وانّكم تتلونه في كتابكم
بصدق حديث لا حديث الترجّم
فلا تجعلوا لله نداً وأسلموا
فان طريق الحق ليس بمظلم
وكان أمير المؤمنين علي عليه السلام يعجبه ان يروى شعر أبي طالب وان يدوّن ، وقال : تلموه وعلموه أولادكم فانّه على دين الله وفيه علم كثير.
وقد ورد عن الأئمّة الأطهار عليهم السلام : انّ ايمان أبي طالب لو وضع في كفّة ميزان وايمان هذا الخلق في كفّة ميزان لرجح ايمان أبي طالب على إيمانهم.
وعن الرضا عليه السلام في جواب كتاب عبدالعظيم الحسني : بسم الله الرحمن الرحيم امّا بعد فانّك ان شككت في إيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار.
وعن الصادق عليه السلام انّه قال : يا يونس ما يقول الناس في أبي طالب ؟ قال : جعلت فداك يقولون هو في ضحضاح من النار وفي رجليه نعلان من نار تغلي منها امّ رأسه. فقال : كذب أعداء الله ، انّ أبا طالب من رفقاء النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا.
وفي الحديث : انّ نوره يوم القيامة يطفئ أنوار الخلائق إلّا خمسة أنوار.
وفيه : انّ مثله مثل أصحاب الكهف وانّه كان مستودعاً للوصايا فدفعها الى رسول الله صلّى الله عليه وآله.
وعليه فما ورد انّ النبي صلّى الله عليه وآله قال لأبي طالب عليه السلام عند موته : قل لا إله إلّا الله كذب محض ، فانّ النبي صلّى الله عليه وآله كان يعلم بايمان أبي طالب عليه السلام ، كيف نصدّق ذلك مع انّ أبا طالب لما حضرته الوفاة دعا بني عبد المطلب ، فقال : لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمّد وما اتبعتم أمره فاتّبعوه واعينوه ترشدوا.
وفي لفظ : يا معشر بني هاشم اطيعوا محمّداً وصدّقوا تفلحوا وترشدوا.
قال البرزنجي : هذا الحديث دليل على إيمان أبي طالب ، ونعما هو قال : قلت بعيد جدّاً ان يعرف انّ الرشاد في اتّباعه ويأمر غيره بذلك ويتركه هو ؟!
وذكر ابن حجر في الإصابة ٤ / ۱۱٦ ، عن طريق اسحاق بن عيسى الهاشمي ، عن أبي رافع ، قال : سمعت أبا طالب يقول : سمعت ابن أخي محمّد بن عبد الله يقول : انّ ربّه بعثه بصلة الأرحام ، وان يعبد الله وحده ، ولا يعبد معه غيره ، ومحمّد الصدوق الأمين. [ أسنى المطالب / الصفحة : ٦ ].
وروى الشيخ إبراهيم الحنبلي في نهاية الطلب ، عن عروة الوثقى ، قال : سمعت أبا طالب رضي الله عنه يقول : حدّثني ابن أخي الصادق الأمين ، وكان والله صدوقاً ، انّ ربّه أرسله بصلة الأرحام وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وكان يقول : أشكر ترزق ولا تكفر تعذّب.
وللمزيد راجع البحار المجلّد ۳٥ وكتاب الغدير.