الاستقامة نهج، وهي ثمرة من ثمرات الإيمان الراسخ الثّابت، وتتمثّل في ابتعاد المسلم عن المعصية في كلّ أمر يقدم عليه، بناءً لما دعا إليه الله: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ}. لذلك كانت الاستقامة من أهمّ ميزات الشخصيّة الإسلاميّة.
ومن سبُل تحصيل الاستقامة:
1- الإيمان بالله والثبات على الحقّ:
عندما نراجع بعضاً من آيات القرآن، نجد أنّ مطلب أهل الإيمان، في ساحات المواجهة والصراع مع الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء والأعداء من الناس، هو طلب التثبيت من الله تعالى والعمل على تحصيل ذلك. قال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا
وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾, وقال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. وقد وردت روايات كثيرة تتحدّث عن الثبات في عصر الغيبة، نذكُر منها: عن الإمام زين العابدين عليه السلام، قال: "من ثبُتَ على ولايتنا، في غيبة قائمنا، أعطاه الله أجر ألف شهيد، مثل شهداء بدر وأُحد".
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "والذي بعثَني بالحقّ بشيراً، إنّ الثابتين على القول به في زمان غيبته، لأعزّ من الكبريت الأحمر".
وعن الإمام الصادق عليه السلام، قال: "ستصيبكم شبهة فتبقَون بلا علم يُرى ولا إمام هدى، لا ينجو منها إلّا من دعا بدعاء الغريق"، قلت: وكيف دعاء الغريق؟ قال: "تقول: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا مقلّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك". وهناك عناوين متعدّدة، ذُكرت في الروايات، تساعد على تثبيت الإيمان، نذكُر منها:
أ- التقوى:
قال أمير المؤمنين عليه السلام: "وإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى، لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الأَكْبَرِ، وتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ".
ب- الورَع عن محارم الله:
عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد سُئل عمّا يثبّت الإيمان في العبد، قال: "الذي يثبّته فيه الورع، والذي يخرجه منه الطمع".
ج - العمل الصالح:
عن الإمام الصادق عليه السلام: "الإيمان لا يكون إلَّا بعمل، والعمل منه، ولا يثبت الإيمان إلَّا بالعمل".
د- الزهد في الدنيا:
عن أمير المؤمنين عليه السلام: "من زهِدَ في الدنيا، ولم يجزع من ذلّها، ولم ينافس في عزّها، هداه الله بغير هداية من مخلوق، وعلّمه بغير تعليم، وأثبتَ الحِكمَة في صدره، وأجراها على لسانه".
هـ - حبّ أمير المؤمنين عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام:
عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "ما ثَبَّتَ الله حبَّ عليّ في قلب مؤمن، فزلَّت به قدم، إلا ثبَّتَها الله، وثبّت له قدم أخرى".
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أثبَتُكم على الصراط، أشدُّكم حبّاً لأهل بيتي".
و- زيارة الإمام الحسين عليه السلام:
وفي الحديث "من زاره (أي الحسين) عليه السلام في بقيعه، ثبتت قدمه على الصراط يومَ تزلّ فيه الأقدام".
2- التثبيت لطفٌ من الله:
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً﴾, وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾, وقال أيضاً: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾, وقال: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾.
ولكنّه مع ذلك، في آية أخرى يشير إلى أنّ تثبيت الإيمان ينطلق من داخل النفس: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
فإذا صدق العبد مع ربّه، وسعى بالدعاء والعمل للثبات على الإيمان والهدى، ثبّته الله تعالى وآمنه وأسعده في الدنيا والآخرة، قال الله عزّ وجلّ: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء﴾.
وهنالك عدة عوامل تساعد على الإستقامة منها:
* وضوح الهدف: فالإنسان الذي يعيش حالة الضبابية في الأهداف، لا يمكنه أن يستقيم؛ لأنه لا يمتلك تصوراً واضحاً عن الهدف الذي يسعى إليه.. ومن هنا نجد بأن دعاة البرمجة في الحياة -هذه الأيام- في الإدارة، والإعلام، والدراسات، وغير ذلك، يقولون بضرورة كتابة الأهداف: السنوية، والمرحلية، والاستراتيجية على الورقة، وثم تشخيص معالمها.
ومن المعلوم أن المؤمن هو ممثل رب العالمين في الحياة في أي موقع كان.. نعم، آدم هو أبو الخلفاء وعلى رأسهم، ولكن لا ينبغي أن يكون الإنسان من نطفته فحسب!.. وإنما من روحه، وعلى منهجه.
* وضوح الأساليب الموصلة لهذا الهدف: ثم إن الذي يرى هدفه واضحاً أمامه عينيه، ولكنه يفتقر إلى الآلات والأساليب الموصلة، لا شك في أنه سيظل قابعاً في مكانه دون حراك، ومن هنا لابد من وجود ما يوصله إلى هدفه.
* الهمة العالية: إن البعض من الناس يشترك مع البهائم أو دواب الأرض في أنه: جسم نامٍ متحرك بالإرادة -ما يقال في وصف الحيوان- أي أنه لم يتجاوز مرحلة النمو والتحرك والاستمتاع بالإرادة، كما يقول القرآن الكريم: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}.. والحال بأن المؤمن من ذوي الهمم في هذه الحياة، وهمته الكبرى هي: البرمجة للحياة الخالدة عند الله، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
ومن المعلوم أن الإنسان إذا علت همته، فإن أعضاء البدن تنسجم مع الهدف المقصود، وهذا ما يشير إليه الحديث: (ما ضعف بدن، عما قويت عليه النية).. وكذلك في هذا البيت: إذا كانت النفوس كباراً *** تعبت في مرادها الأجسام
أي أن الأجسام تتأقلم مع الأهداف العليا، ولكن -مع الأسف- بعض الناس لا يمتلكون هذه الهمة العالية في حياتهم، واقتنعوا بالحياة البهيمية: منكحاً، ومشرباً، ومطعماً.. ولم يفكروا في ما وراء هذه الأهداف الصغيرة.
* أن يرى هالة من اللذة والارتياح في الهدف الذي يسعى إليه: نحن نلاحظ أن القرآن الكريم في جانب تحديد هدف الخلقة والوجود، يذكر الجنة والحور والقصور وغيرها من اللذائذ، وكأنها من نتائج الخلقة؛ أي أن الإنسان إذ عبد ربه حق عبوديته، فإن له في النهاية هذا النعيم.. ولعل السبب: هو أن الإنسان بطبيعته يميل إلى الوصول إلى الأهداف اللذيذة والجميلة، ومن هنا لزم أن تقترن الدعوة للعبودية بمظاهر التلذذ الحسي.