وعليكم السلام ورحمة اللّٰه وبركاته
أهلاً بكم في تطبيقكم المجيب
نشير إلى بعض الروايات عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام)، تتضمن بعض مواقف الأمم السابقة.
١- عن أبى حمزة الثمالي قال: صليت مع على بن الحسين (صلوات الله عليه) الفجر بالمدينة في يوم الجمعة، فدعا مولاة له يقال لها وشيكة وقال لها: لا يقفن على بابي اليوم سائل إلا أعطيتموه، فإن اليوم الجمعة فقالت: ليس كل من يسأل محق جعلت فداك؟ فقال: أخاف أن يكون بعض من يسألنا محقاً فلا نطعمه ونرده، فينزل بنا أهل البيت ما نزل بيعقوب وآله، أطعموهم ثم قال (عليه السلام): إن يعقوب كان كل يوم يذبح كبشاً يتصدق منه ويأكل هو وعياله، وإن سائلاً مؤمناً صواماً قواماً له عند الله منزلة مجتازاً غريباً اعتر بباب يعقوب عشية جمعة عند أوان إفطاره، فهتف ببابه: أطعموا السائل المجتاز الغريب الجائع من فضل طعامكم، يهتف بذلك على بابه مراراً وهم يسمعونه جهلوا حقه ولم يصدقوا قوله، فلما أيس منهم أن يطعم وتغشاه الليل استرجع واستعبر وشكى جوعه إلى الله وبات طاوياً وأصبح صائماً جائعاً صابراً حامداً لله، وبات يعقوب وآله شباعاً بطاناً وأصبحوا وعندهم فضلة من طعامهم.
قال: فأوحى الله إلى يعقوب في صبيحة تلك الليلة: لقد أذللت عبدي ذلة استجرت بها غضبي، واستوجبت بها أدبي ونزول عقوبتي وبلواي عليك وعلى ولدك يا يعقوب، أما علمت أن أحب أنبيائي إليَّ وأكرمهم عليَّ من رحم مساكين عبادي، وقربهم إليه وأطعمهم وكان لهم مأوى وملجئا، يا يعقوب أما رحمت دميال عبدي المجتهد في عبادي، القانع باليسير من ظاهر الدنيا عشاء أمس لما اعتر ببابك عند أوان إفطاره، يهتف بكم: اطعموا السائل الغريب المجتاز فلم تطعموه شيئاً، واسترجع واستعبر وشكا ما به إليَّ، وبات طاوياً حامداً صابراً وأصبح لي صائماً، وبت يا يعقوب وولدك ليلكم شباعاً وأصبحتم وعندكم فضلة من طعامكم، وما علمت يا يعقوب أني بالعقوبة والبلوى إلى أوليائي أسرع منى بها إلى أعدائي، وذلك مني حسن نظر لاوليائه، واستدراج مني لاعدائي، أما وعزتي لأنزلن بك بلواي ولاجعلنك وولدك غرضاً لمصابي ولاؤدبنك بعقوبتي، فاستعدوا لبلائي وارضوا بقضائي واصبروا للمصائب.
فقلت لعلى بن الحسين عليه السلام: متى رأى يوسف الرؤيا؟ فقال: في تلك الليلة التي بات فيها يعقوب وولده شباعا، وبات فيها دميال جائعاً رآها فأصبح فقصها على يعقوب من الغد فاغتم يعقوب لما سمع من يوسف الرؤيا مع ما أوحى الله إليه أن استعد للبلاء، فقال ليوسف: لا تقصص رؤياك هذه على أخوتك فأنى أخاف أن يكيدوك، فلم يكتم يوسف رؤياه وقصها على أخوته .
قال على بن الحسين (عليه السلام): فكان أول بلوى نزلت بيعقوب وآله الحسد ليوسف لما سمعوا منه الرؤيا
قال: واشتد رقة يعقوب على يوسف وخاف أن يكون ما أوحى الله عز وجل إليه من الاستعداد للبلاء هو في يوسف خاصة، فاشتدت رقته عليه من بين ولده، فلما رأى أخوة يوسف ما يصنع يعقوب بيوسف وتكرمته إياه وإيثاره إياه عليهم اشتد ذلك عليهم ، وابتدا البلاء عليهم ، فتآمروا فيما بينهم وقالوا: إن يوسف وأخاه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين، اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم و تكونوا من بعده قوما صالحين، أي تتوبون. فعند ذلك قالوا: " يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون * أرسله معنا غدا يرتع " فقال يعقوب: " إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب " فانتزعه حذرا عليه منه من أن تكون البلوى من الله على يعقوب في يوسف خاصة لموقعه من قلبه وحبه له، قال: فغلبت قدرة الله وقضاؤه ونافذ أمره في يعقوب ويوسف وإخوته، فلم يقدر يعقوب على دفع البلاء عن نفسه ولا عن يوسف وولده فدفعه إليهم وهو لذلك كاره، متوقع للبلوى من الله في يوسف، فلما خرجوا من منزلهم لحقهم مسرعا فانتزعه من أيديهم فضمه إليه واعتنقه وبكى ودفعه إليهم، فانطلقوا به مسرعين مخافة أن يأخذه منهم ولا يدفعه إليهم، فلما أمعنوا به أتوا به غيضة أشجار فقالوا: نذبحه ونلقيه تحت هذه الشجرة فيأكله الذئب الليلة.
فقال كبيرهم: " لا تقتلوا يوسف " ولكن " ألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين " فانطلقوا به إلى الجب فألقوه وهم يظنون أنه يغرق فيه، فلما صار في قعر الجب ناداهم: يا ولد رومين اقرؤوا يعقوب عني السلام، فلما سمعوا كلامه قال بعضهم لبعض: لا تزالوا من ههنا حتى تعلموا أنه قد مات، فلم يزالوا بحضرته حتى أمسوا ورجعوا إلى أبيهم عشاء يبكون " قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب " فلما سمع مقالتهم استرجع واستعبر وذكر ما أوحى الله عز وجل إليه من الاستعداد للبلاء، فصبر وأذعن للبلوى وقال لهم: " بل سولت لكم أنفسكم أمرا " وما كان الله ليطعم لحم يوسف الذئب من قبل أن أرى تأويل رؤياه الصادقة.
قال أبو حمزة: ثم انقطع حديث علي بن الحسين عليه السلام عند هذا، فلما كان من الغد غدوت عليه فقلت له: جعلت فداك إنك حدثتني أمس بحديث ليعقوب وولده ثم قطعته، ما كان من قصة إخوة يوسف وقصة يوسف بعد ذلك؟
فقال: إنهم لما أصبحوا قالوا: انطلقوا بنا حتى ننظر ما حال يوسف، أمات أم هو حي؟ فلما انتهوا إلى الجب وجدوا بحضرة الجب سيارة وقد أرسلوا واردهم فأدلى دلوه، فلما جذب دلوه إذا هو بغلام متعلق بدلوه فقال لأصحابه: " يا بشرى هذا غلام " فلما أخرجوه أقبلوا إليهم إخوة يوسف، فقالوا: هذا عبدنا سقط منا أمس في هذا الجب، وجئنا اليوم لنخرجه، فانتزعوه من أيديهم وتنحوا به ناحية فقالوا: إما أن تقر لنا أنك عبد لنا فنبيعك بعض هذه السيارة أو نقتلك، فقال لهم يوسف عليه السلام: لا تقتلوني واصنعوا ما شئتم، فأقبلوا به إلى السيارة
فقالوا: منكم من يشتري منا هذا العبد؟ فاشتراه رجل منهم بعشرين درهما، وكان إخوته فيه من الزاهدين، وسار به الذي اشتراه من البدو حتى أدخله مصر فباعه الذي اشتراه من البدو من ملك مصر وذلك قول الله عز وجل: " وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أن نتخذه ولدا ".
قال أبو حمزة: فقلت لعلي بن الحسين عليه السلام: ابن كم كان يوسف يوم ألقوه في الجب، فقال: كان ابن تسع سنين، فقلت: كم كان بين منزل يعقوب يومئذ وبين مصر؟ فقال: مسيرة اثني عشر يوما،
قال: وكان يوسف من أجمل أهل زمانه، فلما راهق يوسف راودته امرأة الملك عن نفسه، فقال لها: معاذ الله أنا من أهل بيت لا يزنون، فغلقت الأبواب عليها وعليه وقالت: لا تخف وألقت نفسها عليه، فأفلت منها هاربا إلى الباب ففتحه فلحقته فجذبت قميصه من خلفه فأخرجته منه، فأفلت يوسف منها في ثيابه " وألفيا سيدها لدى الباب * قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم " قال: فهم الملك بيوسف ليعذبه فقال له يوسف: وإله يعقوب ما أردت بأهلك سوءا، بل هي راودتني عن نفسي، فاسأل هذا الصبي أينا راود صاحبه عن نفسه، قال: وكان عندها من أهلها صبي زائر لها، فأنطق الله الصبي لفصل القضاء فقال: أيها الملك انظر إلى قميص يوسف فإن كان مقدودا من قدامه فهو الذي راودها، وإن كان مقدودا من خلفه فهي التي راودته، فلما سمع الملك كلام الصبي وما اقتص أفزعه ذلك فزعا شديدا فجئ بالقميص فنظر إليه فلما رآه مقدودا من خلفه قال لها: " إنه من كيد كن إن كيد كن عظيم " وقال ليوسف: " أعرض عن هذا " ولا يسمعه منك أحد واكتمه، قال: فلم يكتمه يوسف وأذاعه في المدينة حتى قلن نسوة منهن: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه، فبلغها ذلك فأرسلت إليهن وهيأت لهن طعاما ومجلسا ثم أتتهن بأترج وأتت كل واحدة منهن سكينا، ثم قالت ليوسف: " اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن " ماقلن، فقالت لهن هذا الذي لمتنني فيه - يعني في حبه - وخرجن النسوة من عندها فأرسلت كل واحدة منهن إلى يوسف سرا من صاحبتها تسأله الزيارة ؟ فأبى عليهن،
وقال: " إلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين " فصرف الله عنه كيدهن، فلما شاع أمر يوسف وأمر امرأة العزيز والنسوة في مصر بدا للملك بعد ما سمع قول الصبي ليسجنن يوسف، فسجنه في السجن، ودخل السجن مع يوسف فتيان، وكان من قصتهما وقصة يوسف ما قصه الله في الكتاب. قال أبو حمزة: ثم انقطع حديث علي ابن الحسين عليه السلام ... المزید.))[١].
٢ - … عن سيد العابدين على بن الحسين عن أبيه سيد الشهداء الحسين بن على عن أبيه سيد –الوصيين أمير المؤمنين على بن أبى طالب (عليه وعليهم السلام) قال : قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه وآله): لما حضرت يوسف الوفاة جمع شيعته وأهل بيته فحمد الله وأثنى عليه، ثم حدثهم بشدة تنالهم يقتل فيها الرجال، وتشق بطون الحبالى، وتذبح الأطفال حتى يظهر الله الحق في القائم من ولد لاوي بن يعقوب، وهو رجل أسمر طويل، ووصفه لهم بنعته، فتمسكوا بذلك، ووقعت الغيبة والشدة ببني إسرائيل وهم ينتظرون قيام القائم أربعمائة سنة، حتى إذا بشروا بولادته ورأوا علامات ظهوره اشتدت البلوى عليهم وحمل عليهم بالخشب والحجارة، وطلب الفقيه الذي كانوا يستريحون إلى أحاديثه فاستتر، وتراسلوه وقالوا: كنا مع الشدة نستريح إلى حديثك، فخرج بهم إلى بعض الصحارى وجلس يحدثهم حديث القائم ونعته وقرب الامر، وكانت ليلة قمراء فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم موسى عليه السلام وكان في ذلك الوقت حديث السن وقد خرج من دار فرعون يظهر النزهة، فعدل عن موكبه وأقبل إليهم وتحته بغلة وعليه طيلسان خز، فلما رآه الفقيه عرفه بالنعت فقام إليه وانكب على قدميه فقبلهما ثم قال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرانيك، فلما رأى الشيعة ذلك علموا أنه صاحبهم فأكبوا على الأرض شكرا لله عز وجل فلم يزدهم على أن قال: أرجو أن يعجل الله فرجكم، ثم غاب بعد ذلك وخرج إلى مدينة مدين فأقام عند شعيب ما أقام، فكانت الغيبة الثانية أشد عليهم من الأولى، وكانت نيفا وخمسين سنة، واشتدت البلوى عليهم واستتر الفقيه فبعثوا إليه أنه لا صبر لنا على استتارك عنا، فخرج إلى بعض الصحارى واستدعاهم وطيب قلوبهم و أعلمهم أن الله عز وجل أوحى إليه أنه مفرج عنهم بعد أربعين سنة، فقالوا بأجمعهم:
الحمد لله، فأوحى الله عز وجل: قل لهم: قد جعلتها ثلاثين سنة لقولهم الحمد لله، فقالوا: كل نعمة من الله، فأوحى الله إليه: قل لهم: قد جعلتها عشرين سنة، فقالوا: لا يأتي بالخير إلا الله، فأوحى الله إليه: قل لهم: قد جعلتها عشرا، فقالوا: لا يصرف الشر إلا الله، فأوحى الله إليه: قل لهم: لا تبرحوا فقد آذنت في فرجكم، فبينا هم كذلك إذ طلع موسى عليه السلام راكبا حمارا، فأراد الفقيه أن يعرف الشيعة ما يستبصرون به فيه، وجاء موسى حتى وقف عليهم فسلم عليهم، فقال له الفقيه: ما اسمك؟ فقال: موسى، قال: ابن من؟ قال: ابن عمران،
قال: ابن من؟ قال: ابن وهب بن لاوي بن يعقوب، قال: بماذا جئت؟ قال: بالرسالة من عند الله عز وجل: فقام إليه فقبل يده، ثم جلس بينهم وطيب نفوسهم وأمرهم أمره، ثم فرقهم فكان بين ذلك الوقت وبين فرجهم بغرق فرعون أربعون سنة))[٢].
٣ - … عن ثوير بن أبى فاختة قال : سمعت على بن الحسين (عليه السلام) يحدث رجلا من قريش قال : لما قرب ابنا آدم القربان قرب أحدهما أسمن كبش في ضأنه ، وقرب الأخر ضغثا من سنبل فتقبل من صاحب الكبش وهو هابيل ولم يتقبل من الأخر فغضب قابيل فقال لهابيل والله لاقتلنك فقال هابيل، {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} فلم يدر كيف يقتله حتى جاء إبليس فعلمه فقال : ضع رأسه بين حجرين ثم اشدخه ، فلما قتله لم يدر ما يصنع به فجاء غرابان فأقبلا يتضاربان حتى اقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر الذي بقى الأرض بمخالبه ودفن فيه صاحبه
قال قابيل : ياويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين فحفر له حفيرة ودفنه فيها فصارت سنة يدفنون الموتى فرجع قابيل إلى أبيه فلم ير معه هابيل : فقال له آدم أين تركت ابني ؟ قال له قابيل أرسلتني عليه راعيا ؟
فقال آدم: انطلق معي إلى مكان القربان وأوجس قلب آدم بالذي فعل قابيل فلما بلغ مكان القربان استبان قتله فلعن آدم الأرض التي قبلت دم هابيل ، وأمر آدم أن يلعن قابيل ونودي قابيل من السماء . لعنت كما قتلت أخاك.
ولذلك لا تشرب الأرض الدم فانصرف آدم فبكى على هابيل أربعين يوما وليلة ، فلما جزع عليه شكى ذلك إلى الله تعالى فأوحى الله إليه أنى واهب لك ذكرا يكون خلفا من هابيل ، فولدت حوا غلاما زكيا مباركا ، فلما كان يوم السابع أوحى الله إليه : يا آدم إن هذا الغلام هبة مني لك فسمه هبة الله فسماه آدم هبة الله[٣] .
————————————-
[١] بحار الأنوار: ١٢/ ٢٧١، ح ٤٨.
[٢] بحار الأنوار: ١٣/ ٣٦، ح ٧.
[٣] بحار الأنوار: ١١/ ٢٣٠، ح ٨.