1 - الجهل البسيط: هو أن يجهل الإنسان شيئا وهو ملتفت إلى جهله فيعلم أنه لا يعلم وانه جاهل به، كجهلنا بوجود السكان في المريخ، فإنا نجهل ذلك ونعلم بجهلنا، فليس لنا إلا جهل واحد.…
2 - الجهل المركب: هو أن يجهل شيئا وهو غير ملتفت إلى أنه جاهل به، بل يعتقد أنه من أهل العلم به، فلا يعلم أنه لا يعلم، كأهل الاعتقادات الفاسدة الذين يحسبون أنهم عالمون بالحقائق وهم جاهلون بها في الواقع.
ويسمون هذا مركبا، لأنه يتركب من جهلين: الجهل بالواقع والجهل بهذا الجهل، وهو أقبح وأهجن القسمين.…
وعلاج الجهل هو العلم فعلى المتعلِّم أيّ متعلمٍ كان، وفي أيِّ اختصاصٍ في بدايات التعلُّم والطلب أن يحاذر كلَّ الحذر في هذه المرحلة، بأن يعرف حقيقة معلوماته، وأنّها مهما بلغت فهي كالقطرة في المحيط الخضم، ولا يغتر بإغرار الشيطان إيّاه. فهذه المرحلة تكاد أن تكون أشدُّ مراحل طلب العلم حساسيةً؛ لذا اشتُهر على الألسن أنّ غاية العلم هو الاعتراف بالجهل. وقد نُقل عن الحكيم سقراط قوله: تعبتُ في تحصيل العلم حتّى علمتُ أنّي لا أعلم.…
ويفترف الجهل المركب عن الجهل البسيط بما يلي:
الجهل المركب مانع من قبول الحقِّ والرجوع إليه، بل يصل الأمر بالجاهل المركب إلى معاداة العلم وأهله، فقد ورد عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام قوله: "بالجهل يُستثار كلّ شرٍّ"، وقوله (عليه السلام): "الناس أعداء ما جهلوا" و"مَن جهل شيئاً عاداه" و"ما ضادّ العلماء كالجهال"، فقبول الحقِّ يعني قبلَ كلِّ شيءٍ الجهل به، ثُمّ قبوله والإذعان له، والجاهل المركب لا يرى نفسه جاهلاً فكيف يذعن للحقِّ؟!
الجهل المركب يقتل الدافع لدى الإنسان لطلب العلم؛ إذ إنَّ الإنسان بفطرته طالب للكمال، رافض للنقص، والعلم كمال، وكفى لكونه كمالاً أن يدَّعيه مَن لم يتصف به، فإذا رأى الإنسان نفسه عالماً، وهو جاهل مركب، فلماذا طلب العلم حينئذٍ؟!
الجهل المركب يُميت القلب، وقد عُبِّر عن المصاب به بـ(ميِّت الأحياء)، فقد سبق أن نقلنا قول أمير المؤمنين في وصف الفُسَّاق، قوله: " وآخر قد تسمَّى عالماً وليس به، فاقتبس جهائل من جُهَّال، وأضاليل من ضُلّال، ونصب للناس أشراكاً من حبائل غرور، وقول زور، قد حمل الكتاب على آرائه، وعطف الحقَّ على أهوائه ... المزید فالصورة صورة إنسانٍ، والقلب قلب حيوانٍ... وذلك ميِّت الأحياء"
إنَّ الجهل المركب يُعدُّ منشئاً للكثير من الرذائل، والقبائح النفسية: كالعجب، والغرور، والتكبر، ففي ذيل قول أمير المؤمنين في نهج البلاغة: "... واعلموا أنَّ المؤمن لا يُصبح ولا يُمسي، إلّا ونفسه ظنون عنده فلا يزال زارياً عليها، ومستزيداً لها...".