السلام عليكم
أريد أن أتعلم اللغة الانكليزية؛ وأحياناً أرغب بكتابة يومياتي، لكن أجد أن الدين يكره للبنت الكتابة!
وشعوري هذا صحيح؛ فالدين يريد أن تبقى المرأة حمقاء في أمور كثيرة، وتوجد أحاديث تثبت ذلك، منها: (علموهن حب علي واتركوهن بلهاء)، (لا تعلموا النساء الكتابة).
فالدين يحب أن تكون المرأة بلهاء ويكره تعليم البنات الكتابة ويدفع بالآباء بأن يخرجوا بناتهم من المدارس.
هذا جعلني كلما أردت فعل شيء مما ذكرت؛ أشعر أني أرتكب أمراً مكروهاً، حتى كتابة سؤالي هذا إليكم فهو مكروه بنظر الشيخ المفيد.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
ابنتي الكريمة، لو تنزلنا وفرضنا صحة الروايتين (لأن فيهما إشكال سندي)،
فإن القبح المتوهَّم سيرتفع مع التفقّه والتدبّر، فالحديثان محمولان على اختصاص الحكم بنساء المشافَهين بالخطاب في ذلك الزمان (بمعنى أن القضية شخصية مختصة بذلك الوقت)، ويُفهم ذلك من قوله (عليه السلام): «نساءكم» - على ضبط اللفظ - وليس «النساء» على عمومٍ أو إطلاق، فالحكم ليس على إطلاقه يشمل كل الأزمة كما قد يُتوهم، بل هو مختص بذلك الزمان كما هو واضح.
ولا يُراد به سد باب العلم على النساء حتى يكون قبيحاً، إذ الأصل - في كثير من الروايات - أن «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»، وإنما يُراد به العدول عما قد يعرضهن للفتنة إلى غيره من وسائل العلم وموارده الآمنة، وهذا لائح من لسان الأحاديث نفسها.
وإنما يصح وصف هذا الحكم بالقبح والكراهة لو كنا نحرز أنه جاء بغرض تجهيل المرأة ومنع ارتقائها العلمي، أما ونحن نحرز العكس؛ أي أن الحكم جاء بغرض تحصينها وتأمينها فلا قبح ههنا، بل هو أمر حسن.
ولنضرب ههنا مثالاً معاصراً؛ فنقول:
لو أن أباً منع ابنته من تعلّم كيفية الولوج إلى شبكة الإنترنت والتجوّل فيها رغم ما يمكن أن يضيفه هذا لها من رصيد علمي ومعرفي بحثي، ولم يكن منعه إياها من ذلك إلا لأنه وجد عالم الإنترنت يعجّ بالفساد الذي لا قدرة على السيطرة عليه رغم كل أدوات الحماية، وخشي أن يتعرّض أحدٌ لابنته أو يستدرجها ويبتزّها في مواقع التواصل، أو أن تقع عينها على ما يمكن أن يخدش حياءها أو يلوّث طهارتها، فاتخذ قراره شعوراً بمسؤوليته كولي للأمر وأقفل باب الإنترنت أصلاً مع توفيره البدائل التي تتلقّى بها ابنته العلم والمعرفة بأمان واطمئنان بلا حاجة إلى الدخول في ذلك العالم الموبوء، فأي إنسان حكيم منصف يمكن أن يصف هذا القرار من هذا الأب بأنه قرار قبيح؟! أم أن الأمر بالعكس تماماً؟
فسواءً اتفقنا معه أم لم نتفق؛ فإن من الواضح أن قراره هذا كان نابعاً من حرصه على ابنته، وإنما يقبح إذا كان غرضه منعها من تلقي العلم لتبقى في جهل، أما وهناك بدائل أخرى لا تتوقف على الإنترنت وهي متوفرة لها بأمان؛ فلا قبح، حتى وإن كانت تلك البدائل دون الإنترنت في اليسر والسهولة، إذ المهم هو أن تتلقى الفتاة العلم والمعرفة ولو بوسائل تقليدية كما كان الجميع يتعلم ويتثقّف قبل أن يُبتكر الإنترنت أصلاً، ومع ذلك خرج حينئذ من العلماء والأدباء والعباقرة ما لم يُرَ أمثالهم في عصرنا هذا، فلم يكن عدم توفر الإنترنت في عصورهم بمنقِصٍ حظوظهم من العلم والمعرفة.
ولو رجعنا إلى زمن صدور هذه الروايات، فإن الناظر إلى تلك الحقبة وظروفها الموضوعية يُدرك تماماً أن أنماط التعليم آنذاك كانت بسيطة تقليدية، وكانت الوسيلة الشائعة لتلقي العلم - حتى في أوساط الرجال - هي المشافهة والسماع، ولم يكن أمر العلم متوقفاً على إتقان الكتابة. بل إن عدم اعتماد المجتمع على الكتابة ساعد في زيادة حدة الحفظ والذكاء، لأن المتلقي كان يضطر إلى حفظ ما يتلقاه عن ظهر قلب خشية أن يفقده إذ لم يقيَّد في كتاب أو صحائف، وهذا ما يفسّر كيف وصلتنا روايات طويلة محفوظة، وكيف أن الرواة كانوا يحضرون المجلس الواحد الذي يمتد لساعات ثم يروون ما جرى فيه بألفاظه اعتماداً على قوة الذاكرة التي شُحذِت لسنين.
وهكذا يقول الخبراء اليوم أن الدراسات أثبتت أن الاعتماد على الإنترنت يضعف الذاكرة وأن اللجوء للبحث عن المعلومات إلكترونياً يهدد قدرات الإنسان الدماغية على التعلم والتذكر.
وما زالت البشرية تعرف شخصيات لها براعة في العلم والأدب والمعرفة مع أنها ما كانت تحسن القراءة ولا الكتابة، كأبي العلاء في القديم؛ وطه حسين في الحديث.
إذا عرفنا ذلك سوف ندرك أن هذه الأحاديث التي فيها النهي عن تعليم نساء تلك الأزمنة الكتابة لم يكن الغرض منها مطلقاً حرمانهن من العلم والمعرفة؛ بل كان الغرض إبقاؤهن يتعلمن بحسب النمط السائد من المشافهة والسماع درءاً لبعض المفاسد الإجتماعية العارضة آنذاك، فإن التأريخ يحدثنا عن النساء اللواتي كُنَّ يحُسِنَّ الكتابة فكاتبن الرجال بما يقبح ذكره ولا حاجة إلى ذكر أمثلته. فكأن شيوع هذه المفسدة آنذاك كان الداعي لصدور مثل هذا النهي الخاص، ولا يبعد أنه لم يكن عن تعليمهن القراءة، فإن المنهي عنه كان مجرد الكتابة في منطوق الأحاديث.
ومهما يكن فإن هذا النهي في أقصاه مجرد حكم تنزيهي إرشادي لا تثبت به حرمة، وأحكام أو نواهٍ من هذا القبيل إنما تكون مقيّدة بالظروف الموضوعية الخارجية، فلو أنها تغيّرت بتغيّر الزمان والبيئات الإجتماعية وتحققت المقاصد بغير ما جاء في تلك الأحكام التنزيهية أو الإرشادية؛ ارتفعت وكان غيرها أولى.
وعلى هذا المنوال تجري سائر الموارد والأحكام من هذا القبيل، كحكم كراهة صلاة النساء في المساجد أو أن صلاتهن في البيوت أولى؛ إذ يرتفع هذا الحكم اليوم لأن للنساء أن يأتين المساجد ويصلّين في أقسامهن الخاصة دون أن يُعرَّضن للفتنة أو للهتك في رواحهنّ ومجيئهنّ، على خلاف ما كان في تلك الأزمنة حين صدرت تلك الأحاديث.
وعليه؛ فإن من الخطأ الذي يرتكبه بعض غير المتفقهين إخراج الأحاديث وما تضمّنته من أحكام تنزيهية أو أوامر إرشادية عن ظروفها الزمنية والموضوعية. كما من الخطأ تقبيح ما ليس بقبيح؛ إذ اللازم مراعاة المقصد والغرض والغاية من كل حكم وظروفه.
واليوم إذ صار تعلم الكتابة أمراً معهوداً لا يعرّض الفتاة للفتنة أو للهتك بحد ذاته؛ فإن حكم الكراهة يكون مرتفعاً، وعلى هذا يكون القياس.
ودمتم موفقين.