السلام عليكم اريد تفسير لهذه الآية.
وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ
اذا كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يعلم علوم الأولين و الآخرين كيف لايسمع الموتى وشكراً
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وجه الجمع بين جواز التوسل والاستغاثة بالميت وبين قوله تعالى (( ... المزید مَا أَنتَ بِمُسمِعٍ مَن فِي القُبُورِ )) (فاطر:22) فمن وجوه:
أ- نحن لا نقول بان الموت عدم للروح ولا للتفاعل مع الدنيا فالميت ينتقل من عالم الدنيا الى عالم البرزخ وهو عالم متوسط بين الدنيا والاخرة وليس عدما محضا وانما هو عبارة عن انتقال البشر من عالم الى اخر دون انقطاع عن العالم الدنيوي بصورة كاملة حيث ان روحه لها وجود ولها حركة وقدرة على السمع والبصر والتفاعل مع الاحياء ومع الدنيا وليست كالجسد الذي يعدم هذه الاشياء وهذا امر متفق عليه مفروغ منه ونذكر كلام اهم تلامذة ابن تيمية وهو ابن قيم الجوزية في كتاب الروح الذي الفه بعد موت ابن تيمية فقال فيه:
- المسألة الاولى: في معرفة الاموات بزيارة الاحياء وسلامهم
- فصل: الموتى يسألون عن الاحياء ويعرفون اقوالهم واعمالهم
- فصل: الاستدلال على سماع الموتى التلقين في القبر
- اخبار الاموات بما حدث في اهلهم بعدهم وبما يحدث
- انفذ ابو بكر وصية ثابت بن قيس التي اوصى بها في المنام بعد الممات
- المسألة الثانية: ارواح الموتى هل تتلاقى وتتزاور وتتذاكر ام لا؟
- تذاكر الارواح العلم ومقام النفس المطمئنة
- الاحاديث الدالة على تلاقي ارواح الموتى وتعارفهم
- المسألة الثالثة: هل تتلاقى ارواح الاحياء وارواح الاموات ام لا؟
- ذكر عرض الحسنات والسيئات كلها على الارواح
- المسألة الرابعة: هل تموت الروح ام الموت للبدن وحده؟
- بحث في معنى موت النفوس: والصواب ان يقال: موت النفس هو مفارقتها لاجسادها وخروجها منها. فان اريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت، وان اريد انها تعدم وتضمحل وتصير عدما محضا فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم او عذاب كما سيأتي ان شاء الله تعالى بعد هذا، وكما صرح به النص انها كذلك حتى يردها الله في جسدها.
ثم قال ابن القيم: قال ابو عبد الله (القرطبي) وقال شيخنا احمد بن عمرو: والذي يزيح هذا الاشكال - ان شاء الله - ان الموت ليس بعدم محض، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في الدنيا، انتهى.
ثم قال: بحث في معنى الموت ما هو؟
قال: وإذا كان هذا في الشهداء فالأنبياء أحق بذلك وأولى وقد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله): (أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء) وأنه (صلى الله عليه وآله) اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس وفي السماء ورأي موسى قائما يصلي في قبره وأخبر - صلى الله عليه وسلم - بأنه يرد السلام على كل من يسلم عليه إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة فإنهم موجودون أحياء ولا نراهم.. انتهى.
ثم قال: المسألة السادسة: هل تعاد الروح الى الميت في قبره وقت السؤال ام لا؟ ثم نقل ابن القيم كلام ابن حزم عن الروح وسماعها بقوله:... واخبر (صلى الله عليه وآله) يوم بدر اذ خاطب الموتى انهم قد سمعوا قوله قبل ان تكون لهم قبور، ولم ينكر على الصحابة قولهم: قد جيفوا، واعلم انهم سامعون قوله مع ذلك، فصح ان الخطاب والسماع لارواحهم فقد بلا شك، واما الجسد فلا حس له وقد قال تعالى (( ومَا أَنتَ بِمُسمِعٍ مَن فِي القُبُورِ )) فنفى السمع عمن في القبور وهي الاجساد بلا شك، ولا يشك مسلم ان الذي نفى الله عز وجل عنه السمع هو غير الذي اثبت له رسول الله (صلى الله عليه وآله) السمع. أهـ فتأمل.
ثم قال: الروح لها بالبدن خمسمة انواع من التعلق:... الرابع: تعلقها به في البرزخ فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقا كليا بحيث لا يبقى لها اليه التفات البتة فإنه ورد ردها إليه وقت سلام المسلم وورد أنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه وهذا الرد إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة.أهـ
ثم قال: رؤيته (صلى الله عليه وآله) الانبياء ليلة الاسراء...وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى موسى قائما يصلي في قبره ليلة الإسراء ورآه في السماء السادسة او السابعة، فالروح كانت هناك ولها اتصال بالبدن في القبر واشراف عليه، وتعلق به بحيث يصلي في قبره ويرد سلام من سلم عليه وهي في الرفيق الاعلى. ثم قال: لا تنافي بين الامرين فان شأن الارواح غير شأن الابدان....
ثم قال: تحقيق سماع الموتى: واما قوله تعالى (( ومَا أَنتَ بِمُسمِعٍ مَن فِي القُبُورِ )) فسياق الاية يدل على ان المراد منها: ان الكافر الميت القلب لا تقدر على اسماعه اسماعا ينتفع به كما ان من في القبور لا تقدر على اسماعهم اسماعا ينتفعون به، ولم يرد سبحانه ان اصحاب القبور لا يسمعون شيئا البتة. أهـ
ب- وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري 3/185:
و أما استدلالها بقوله تعالى (( إِنَّكَ لَا تُسمِعُ المَوتَى )) (النمل:80) فقالوا معناها لا تسمعهم سماعا ينفعهم أو لا تسمعهم الا أن يشاء الله و قال السهيلي عائشة لم تحضر قول النبي صلى الله عليه و سلم فغيرها ممن حضر أحفظ للفظ النبي صلى الله عليه و سلم و قد قالوا له يا رسول الله أتخاطب قوما قد جيفوا؟ فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. قال: و إذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين جاز أن يكونوا سامعين إما بآذان رؤوسهم كما هو قول الجمهور أو باذان الروح على رأي من يوجه السؤال إلى الروح من غير رجوع إلى الجسد قال: و أما الآية فإنها كقوله تعالى (( أَفَأَنتَ تُسمِعُ الصُّمَّ أَو تَهدِي العُميَ )) (الزخرف:40) أي إن الله هو الذي يسمع و يهدي انتهى.أهـ
ج- وقال ابن حجر في فتح الباري ايضا 7/227: وقد اختلف أهل التأويل في المراد بالموتى في قوله تعالى (( إِنَّكَ لَا تُسمِعُ المَوتَى )) وكذلك المراد بمن في القبور فحملته عائشة على الحقيقة وجعلته أصلا احتاجت معه إلى تأويل قوله (صلى الله عليه وآله): (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) وهذا قول الأكثر وقيل هو مجاز والمراد بالموتى وبمن في القبور الكفار شبهوا بالموتى وهم أحياء والمعنى من هم في حال الموتى أو في حال من سكن القبر وعلى هذا لا يبقى في الآية دليل على ما نفته عائشة والله اعلم. أهـ
د- وقال ابن قتيبة الدينوري في تأويل مختلف الحديث ص143: وأما قوله تعالى (( إِنَّكَ لَا تُسمِعُ المَوتَى )) (( ومَا أَنتَ بِمُسمِعٍ مَن فِي القُبُورِ )) فليس من هذا في شئ لأنه أراد بالموتى ههنا الجهال وهم أيضا أهل القبور يريد إنك لا تقدر على إفهام من جعله الله تعالى جاهلا ولا تقدر على إسماع من جعله الله تعالى أصم عن الهدى وفي صدر هذه الآيات دليل على ما نقول لأنه قال (( وَمَا يَستَوِي الأَعمَى وَالبَصِيرُ )) (فاطر:19) يريد بالأعمى الكافر وبالبصير المؤمن (( وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ )) (فاطر:20) يعني بالظلمات الكفر وبالنور الايمان (( وَلَا الظِّلُّ وَلَا الحَرُورُ )) (فاطر:21) يعني بالظل الجنة وبالحرور النار (( وَمَا يَستَوِي الأَحيَاءُ وَلَا الأَموَاتُ ... )) (فاطر:22) يعني بالأحياء العقلاء وبالأموات الجهلاء ثم قال إن الله يسمع من يشاء (( ومَا أَنتَ بِمُسمِعٍ مَن فِي القُبُورِ )) يعني أنك لا تسمع الجهلاء الذين كأنهم موتى في القبور، ومثل هذا كثير في القرآن. أهـ
هـ- وقال الامام الطبري في تفسيره جامع البيان 22/155: وقوله: (( إِنَّ اللَّهَ يُسمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسمِعٍ مَن فِي القُبُورِ )) يقول تعالى ذكره: كما لا يقدر أن يسمع من في القبور كتاب الله، فيهديهم به إلى سبيل الرشاد، فكذلك لا يقدر أن ينفع بمواعظ الله، وبيان حججه، من كان ميت القلب من أحياء عباده، عن معرفة الله، وفهم كتابه وتنزيله، وواضح حججه..أهـ
اقول وهذا واضح جدا انه تشبيه وتمثيل للكافر من جهة وحيثية عدم الانتفاع بكتاب الله والهداية به وليس له أي علاقة بعدم سماع الموتى فتأمل.