logo-img
السیاسات و الشروط
Abn Emad ( 19 سنة ) - العراق
منذ سنتين

آية الكرسي

ما تفسير الآية: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}؟ وما هو الكرسي المقصود هنا؟ وإذا كان كرسي مثل كل الكراسي، ما هي فائدته؟


السلام عليكم ورحمة الله و بركاته مرحباً بك أيها السائل الكريم جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - الشيخ ناصر مكارم الشيرازي - ج ٢ - الصفحة ٢٥٣-٢٥٥: المراد من العرش والكرسي (الكرسي) من " كرس " بوزن إرث، ومعناه أصل الشئ وأساسه، كما يطلق على كل شئ متجمع ومترابط، ولهذا يطلق على المقعد الواطئ المتعارف عليه للجلوس، ويقابله " العرش " الذي يعني السقف، أو الشيء ذا السقف، أو الكرسي ذا القوائم المرتفعة. ولما كان الأستاذ أو المعلم يجلس أحياناً على كرسي أثناء التدريس، فقد انتقل إسم " الكرسي " ليدل على العلم، وقد يستعمل رمزاً للسلطة والسيطرة أو يكون كناية عن الحكومة والحكم. في هذه الآية نقرأ عن كرسي الله أنه يسع السماوات والأرض. وعليه فيمكن أن يكون للكرسي عدة معان: 1 - منطقة نفوذ الحكم: أي أن حكم الله نافذ في السماوات والأرض وأن منطقة نفوذه تشمل كل مكان، أي أنه يشمل عالم المادة برمته، بما فيه من أرض ونجوم ومجرات وسدم. وعلى هذا يكون " العرش " مرحلة أرفع وأعظم من عالمنا المادي هذا، لأن العرش - كما قلنا - يعني السقف أو المسقف أو مقعداً أعلى من الكرسي. وبهذا يشمل العرش عالم الأرواح والملائكة وما وراء الطبيعة، وهذا يكون بالطبع إذا وضع الكرسي في قبال العرش بحيث يعني الأول " عالم المادة والطبيعة " ويعني الثاني " عالم ما وراء الطبيعة ". وللعرش معان أخرى كما سيأتي في تفسير الآية 53 من سورة الأعراف، خاصة إذا لم يذكر في قبال الكرسي، وعندئذ يمكن أن يكون بمعنى عالم الوجود كله. 2 - منطقة نفوذ العلم: أي أن علم الله يحيط جميع السماوات والأرض وأن ما من شئ يخرج عن منطقة نفوذ علمه، لأن الكرسي - كما قلنا - قد يكون كناية عن العلم. وهناك أحاديث كثيرة تعتمد هذا المعنى، من ذلك ما رواه حفص بن غياث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه سأله عن معنى وسع كرسيه السماوات والأرض قال: هو العلم . 3 - شيء أوسع من السماوات والأرض كلها بحيث إنه يحيط بها من كل جانب. وعلى هذا يكون معنى الآية: كرسي الله يضم جميع السماوات والأرض ويحيط بها. وقد نقل هذا التفسير عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: " الكرسي محيط بالسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى ". بل يستفاد من بعض الروايات أن الكرسي أوسع بكثير من السماوات والأرض. فقد جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: " ما السماوات والأرض عند الكرسي إلا كحلقة خاتم في فلاة، وما الكرسي عند العرش إلا كحلقة في فلاة . المعنيان الأول والثاني مفهومان، أما المعنى الثالث فأمر لم يتوصل العلم البشري بعد لمعرفته وكشف الستار عنه، فالعالم الذي يضم في زاوية منه السماوات والأرض لم يثبت وجوده بالطرق العلمية حتى الآن، كما أنه ليس هناك أي دليل على عدم وجوده، فالعلماء يعترفون جميعا بأن اتساع السماء والأرض يزداد بمرور الأيام وبتقدم وسائل المعرفة العلمية، وما من أحد يستطيع أن يزعم أن سعة عالم الوجود هو ما يعرفه العلم اليوم، ولا يستبعد أن تكون هناك عوالم أخرى لا تعد ولا تحصى خارجة عن نطاق وسائل الأبصار عندنا اليوم. نضيف هنا أن التفاسير الثلاثة المذكورة لا يتعارض بعضها مع بعض، وأن عبارة وسع كرسيه السماوات والأرض يمكن أن تشير إلى حكومة الله المطلقة ونفوذ قدرته في السماوات والأرض، كما تشير في الوقت نفسه إلى علمه النافذ، وكذلك إلى عالم أوسع بكثير من عالمنا هذا. وهذه الآية تكمل الآيات السابقة عن سعة علم الله. بعبارة موجزة أن عرش حكومة الله وقدرته يهيمن على السماوات والأرض جميعا، وأن كرسي علمه يحيط بكل هذه العوالم، وما من شئ يخرج عن نطاق حكمه ونفوذ علمه. قوله: ولا يؤوده حفظهما. " يؤوده " من " أود " - على وزن قول - بمعنى الثقل والمشقة، أي أن حفظ السماوات والأرض ليس فيه أي ثقل أو مشقة على الله، فهو ليس مثل مخلوقاته التي يتعبها الحفاظ على الأشياء ويوهنها، ذلك لأن المخلوقات ضعيفة محدودة القدرة، وقدرته غير محدودة، ومن لا حدود لقدرته لا يكون للثقل والخفة والصعب والسهل مفهوم عنده. فهذه مفاهيم تصدق عند من تكون قدراتهم محدودة. مما تقدم يتضح أن الضمير في " يؤوده " يعود على الله، ويؤكد هذا ما سبق من آيات والآية التالية، فضمائرها كلها تعود على الله، وعليه فإن احتمال عود هذا الضمير إلى " الكرسي " - باعتبار أن حفظ السماوات والأرض ليس ثقيلا على الكرسي - ضعيف جدا. قوله: وهو العلي العظيم. توكيد لما سبق. أي أن الله الذي هو أرفع وأعلى من كل شبيه وشريك، ومنزه عن كل نقص وعيب، وهو العظيم اللامحدود، لا يصعب عليه أي عمل ولا يتعبه حفظ عالم الوجود وتدبيره، ولا يغفل عنه أبدا، وعلمه محيط بكل شئ. دمتم في رعاية الله