سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وجدت أنكم قد أجبتم على سؤال في البرنامج وهو: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «كنا إذا اشتد القتال لذنا برسول الله». ولكن أريد جواباً أكثر اقناعاً.
نعم النبي (صلى الله عليه وآله)، أشجع الخلق وأشجع من الإمام علي (عليه السلام)، ولكن لماذا لاذ الإمام (عليه عليه)، بالنبي (صلى الله عليه وآله)؟
ومتى هذا وكم مرة؟
وسؤال آخر: نعلم أنّ الإمام علي (عليه السلام)، بمنزلة هارون من موسى، ورد عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال للإمام علي عليه السلام : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبي بعدي».
فهل النبي (صلى الله عليه وآله)، والإمام علي (عليه السلام)، بنفس الشجاعة؟
وإن كان صحيحاً، فلماذا لاذ بالنبي؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
ابنتي المباركة:
أولاً: ورد في نهج البلاغة، عنه (عليه السلام): «كنا إذا احمر البأس، اتقينا برسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه».
ونقل المجلسي (رحمه الله)، بياناً لذلك ما هو لفظه: ((قال السيد رضي الله عنه: ومعنى ذلك أنه كان إذا عظم الخوف من العدو واشتد عضاض الحرب، فزع المسلمون إلى قتال رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنفسه، فينزل الله تعالى النصر عليهم به، ويأمنون ما كانوا يخافونه بمكانه وقوله (عليه السلام): إذا احمر البأس، كناية عن اشتداد الأمر، وقد قيل في ذلك أقوال: أحسنها أنه شبَّه حمى الحرب بالنار التي تجمع الحرارة والحمرة بفعلها ولونها، ومما يقوي ذلك قول (النبي صلى الله عليه وآله) وقد رأى مجتلد الناس يوم حنين وهي حرب هوازن" الآن حمي الوطيس"، والوطيس: مستوقد النار، فشبَّه ما استحر من جلاد القوم باحتدام النار وشدة التهابها)).
ثانياً: لم يحدد في النصوص الروائية كم مرة فعلوا ذلك، لكن الظاهر من نص الرواية أنّه متى أحمر البأس في ساحة الحرب لاذوا برسول الله (صلى الله عليه وآله).
ثالثاً: إنّ فضيلة الشجاعة تكون أكمل عند النبي (صلى الله عليه وآله)، من غيره، فهو أكمل خلق الله سبحانه وتعالى.
ولا بأس بنقل ما ذكر من جواب في هذا الخصوص في ذلك البرنامج المبارك؛ لأنّه كافي ووافي:
لا شك ولا شبهة أن النبي (صلى الله عليه وآله) هو أشجع ولد آدم منذ أن خلق الله الدنيا وحتى قيام الساعة، يعلم ذلك بالتفكر في معاني منها: أنّه أفضل خلق الله، فمن زعم أن هنالك من هو أشجع من النبي (صلى الله عليه وآله) فقد جعل النبي مفضولاً لأحد ما في الشجاعة، أي أنه لا يكون أفضل الناس في كل منقبة،وهذا خلاف الأعتقاد بأنّه أفضل الخلق.
ومنها: أنّه الإنسان الكامل، وهو الحائز على تمام كل خُلق وسجية وكمال، فلو نقص عن تمام الشجاعة لم يكن إنساناً كاملاً في جميع الخصال، ولو وجد من هو أكمل منه في إحدى الخصال فقد نقص عن حد الكمال.
وقد ثبت بأنه (صلى الله عليه وآله) أكمل الناس.
ومنها قوله(صلى الله عليه وآله): «إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ولا ريب بأن الشجاعة من أمهات الأخلاق لأنّها إحدى الفضائل الأربعة التي كل منها غاية برأسها، وهي: الشجاعة، والعفة، والحكمة، والعدالة، فإذا بعث النبي(صلى الله عليه وآله) لإتمام هذه المكارم فكيف يكون غير بالغ فيها حد التمام!؟
وهل يمكن أن يتمم المكارم من يتخلـّف في أحداها عن التمام!؟
فثبت إذاً أنّه (صلى الله عليه وآله) أشجع ولد آدم وأنّه أشجع حتى من أمير المؤمنين(عليه السلام)، فعندما تحتدم الخطوب العظام فلا يثبت لها إلاّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبثباته وشجاعته يستمد الشجعان ثباتهم.
وأما كون أمير المؤمنين (عليه السلام) كاشف الكربات عن وجه الرسول (صلى الله عليه وآله)، فليس هذا بقادح في أشجعية النبي (صلى الله عليه وآله). فإن أمير المؤمنين (عليه السلام) قائد عسكره ولابد لقائد العسكر من الدفع عن مقام سيده في تلك المواطن وقد لا يناسب مقام النبوة النزول إلى ساحة الوطيس ومقارعة الأعداء بالنفس أحياناً لمكان الجاه والرئاسة، ولكن حينما تبلغ القلوب الحناجر وتنخلع أفئدة الشجعان من هول القتال تتجه الأنظار صوب ذلك الطود الشامخ - أي رسول الله (صلى الله عليه وآله) - وتلوذ به كيما تثبت وتنشط.
فمعنى كون أمير المؤمنين (عليه السلام) كاشف الكربات عن وجهه إنّما هو بلحاظ ذلك المقام لا هذا المقام، ففي هذا المقام يلوذ الجميع برسول الله (صلى الله عليه وآله) بمن فيهم أمير المؤمنين (عليه السلام).
ودمتم في رعاية الله وحفظه.